تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 378

مساهمون:

ص٣٧٨
ثمّ قال تعالى لهم « فَاشْهَدُوا » على أنفسكم ، أو على العهد المأخوذ من الناس وأنا من الشاهدين له ، هذا ولو فرضنا أنّ المخاطبة بين اللَّه وبين الأمم أشكل الأمر في معنى الآية بعدم قبول جميع الأمم عهد اللَّه وعدم إقرارهم على ذلك إلّاأن يقال بكون الآية بياناً لحال المؤمنين المقرّين بالكتب والأنبياء . وهذه الآية تشير إلى الأمر الثالث والرابع من الأمور السابقة . وقوله تعالى : « فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَ لِكَ » إلى آخره ، أي فمن أعرض من الأمم بعد تحقّق أمر الميثاق ، فهم خارجون عن طاعة اللَّه ، وهو كفر ؛ لكون الحكم من الأصول الاعتقادية ، والآية من الشواهد على أنّ الميثاق المذكور لم يكن بين اللَّه وأنبيائه فقط ، بل بينه تعالى وبين خلقه ، كما حملنا الآية السابقة عليه ؛ إذ يبعد وقوع هذا التعبير بالنسبة إليهم خاصّة مع كون الآية التالية أيضاً من تتمّة هذا الكلام . قوله تعالى : « أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَه‌ُو أَسْلَمَ » إلى آخره . يظهر من الآية الشريفة أنّ المتولّي عمّا آتاه اللَّه من الكتاب والحكمة للأنبياء ، المقصود بها الدين الإلهي ، باغ لغير دين اللَّه ، وأنّ دينه تعالى هو الإسلام ، فمعنى الآية أنّه كيف لم يطلب هؤلاء القوم دين اللَّه الذي هو التسليم له ويبغون غير ذلك ، وقد أسلم له تعالى جميع ذوي العقول طوعاً أو كرهاً ؟ ! إن قلت : ما هو المراد بالإسلام في الآية الشريفة ؟ وهل هو دين الإسلام ، أو معناه اللغوي ؟ قلت : الإسلام هو التسليم ، وهو إمّا جبري في مقابل التكوين ، أو اختياري في مقابل التشريع . والأوّل : عبارة عن خضوع الأشياء وانقيادها على وفق جريان عالم الكون وسيرها في المجرى الذي تقتضيه العلل والأسباب التكوينية الجارية تحت إرادة اللَّه وأمره ، كحركة السيّارات واختلاف الليل والنهار وجريان الرياح والسحاب المسخّر بين السماء والأرض ونمّو النباتات وغير ذلك ، ولا فرق في [ هذا ] « 1 » القسم من التسليم بين الجماد والنبات والحيوان .
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أضفناه لمقتضى السياق . .