وثانيهما : أن تنصر الرسول الذي جاء بعد ذلك ، فصدّق دينهم وما جاء به النبيّ السابق .
ثمّ إنّ لازم أخذ هذا الميثاق من الأمم أخذه من الأنبياء أيضاً بلا ريب وإشكال ؛ فإنّ النبيّ أحقّ بالإذعان بما جاء به من ربّه ونصرة الرسول الذي يأتي بعده من عند ربّه .
إن قلت : كيف ينصر النبيّ السابق الرسول اللاحق مع أنّ الفرض عدم إدراكه زماناً وحصول برهة بين عصريهما ؟ وهذا غير نصرة الامّة ؛ لبقائهم متناسلين حتّى يدركوا النبيّ اللاحق .
قلت : تكون نصرته بإخبار عن مجيئه وحالاته وزمانه وخصوصيّات شريعته ، فيكون ذلك كإعداد المكان لنزوله وتهيئة القلوب لقبوله ، وأيّة نصرة أتمّ من هذه وأكمل ؟ !
إن قلت : ما هو المراد بالرسول في الآية ؟ وهل هو كلّ رسول لاحق بالنسبة إلى سابقه ، أو خصوص الرسول الأعظم محمّد بن عبداللَّه صلى الله عليه وآله ؟
قلت : الظاهر أنّ المراد كلّ رسول لاحق ، ولو ورد ما يدلّ على كون المراد به محمّد بن عبداللَّه صلى الله عليه وآله ، فهو بيان لأفضل المصاديق ؛ إذ أنّه اخذ الميثاق من كلّ نبيّ لمن بعده مع محمّد صلى الله عليه وآله فالنبيّ الأعظم مورد لميثاق الجميع .
ثمّ إنّ الذي ذكرنا من معنى الآية هو الذي يساعده ما بعدها كما ستعرف ، ويعينه أيضاً ما نقل عن مولانا الصادق عليه السلام من قوله :
« أي « 1 » وإذ أخذ اللَّه ميثاق أمم النبيّين » ، « 2 »
وقد اضطرّ إلى تحسين كلام الإمام عليه السلام في معنى الآية بعض مفسّري أهل السنّة « 3 » مع إعراضه في الأغلب عن أحاديث أهل البيت عليهم السلام .
قوله : « قَالَ ءَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَ لِكُمْ إِصْرِى » ، الظاهر أنّ هذه المخاطبة إلى آخر الآية واقعة بين اللَّه وبين الأنبياء ، وهي تبيّن أخذ الميثاق من الأنبياء أيضاً على ما أخذوه من الأمم ، والاستفهام بمعنى الأمر ، والمعنى : أقرّوا أنتم أنفسكم أيضاً بالميثاق الذي أخذتم من الناس واقبلوا على ذلك عهدي الأكيد .
هامش
( 1 ) . في التبيان والمجمع : « تقديره » ، وفي الجوامع : « أنّ المعنى » بدل « أي » . .
( 2 ) . التبيان ، ج 2 ، ص 514 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 784 ؛ جوامع الجامع ، ج 1 ، ص 186 . .
( 3 ) . روح المعاني ، ج 2 ، ص 201 . .