تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 373

مساهمون:

ص٣٧٣
وقد ذكرنا أنّ الربّاني من له شدّة ربط باللَّه تعالى وكمال قرب منه ، وحصول ذلك يستلزم كمال الإنسان في أبعاده الثلاثة الروحية : العقائد والأخلاق والأعمال ، وذلك غير حاصل إلّابالسعي البليغ والجهد الجهيد في إصلاح تلك الجهات ، فيزيل به كلّ جهل وريب في عقائده ؛ ليصل إلى مرحلة اليقين في جميع مدركاته الدينية ، أصولية كانت أم فروعية ، ويطهّر من نفسه من كلّ رذيلة خلقية ويجعل مكانها فضيلة نفسية حتّى لا يبقى له عاتبة يؤنّب بها ولا أكرومة ناقصة إلّاأتمّها ، ويصلح كلّ عمل ، ويجعل أعماله وأوراده ورداً واحداً ، « 1 » وقد ورد في الحديث أنّه تعالى قال : « لم يزل يتقرّب إليّ عبدي بالنوافل ، فكنت « 2 » سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به » « 3 » إلى آخره . والحاصل أنّ البشر الذي آتاه اللَّه النبوّة ، من شأنه أن يأمر بالتعالي والتكامل من تلك الجهات حتّى يحصل نتيجة ذلك ، وهي القرب الشديد إلى اللَّه تعالى . ثمّ إنّ أمره الناس وحثّهم على الانتساب والارتباط إلى اللَّه قد يكون لفظياً حاصلًا بالقول ومجرّد الدعوة ، وقد يكون فعليّاً عمليّاً بأنّ يرى الناس منه صالح العقائد والأخلاق ، فيستضيئوا بنوره ، ويقتسبوا من جذواته ، ويروا منه صالح الأعمال فيتّبعوه ويهتدوا بهداه ، فيكون ذلك بعثاً حقيقيّاً وأمراً تكوينيّاً ، وقد يتحقّق كلا الأمرين ، وهذا هو الواقع من الأنبياء والأئمّة عليهم السلام . ثمّ إنّ ظاهر الآية أنّ النبيّ الآمر بذاك يصرّح لهم بعلّة ما يأمر وأنّه لأجل كونهم منتسبين بكتاب اللَّه ومرتبطين به بالتعليم والتعلّم ، فالمأمور يشمل جميع المؤمنين
هامش
( 1 ) . اقتباس من كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام ، حيث يقول في دعاء كميل : « يا ربّ ! يا ربّ ! يا ربّ ! أسألك بحقّك وقدسك وأعظم صفاتك وأسمائك أن تجعل أوقاتي من الليل والنهار بذكرك معمورة وبخدمتك موصولة ، وأعمالي عندك مقبولة حتّى تكون أعمالي وأورادي كلّها ورداً واحداً » . راجع : مصباح المتهجّد ، ص 849 ؛ إقبال الأعمال ، ص 709 ؛ المصباح للكفعمي ، ص 559 . . ( 2 ) . في المصدر : « . . . وإنّه ليتقرّب إليّ بالنافلة حتّى احبّه ، فإذا أحببته كنت » . . ( 3 ) . الكافي ، ج 2 ، ص 352 ، باب من آذى المسلمين واحتقرهم ، ح 7 . .