تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 370

مساهمون:

ص٣٧٠
الموحى إليه ؛ إذ منه ما يكون بوساطة إعداد القوى التكوينية ، كما في قوله تعالى : « وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ أَنِ اتَّخِذِى مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا وَمِنَ الشَّجَرِ » « 1 » إلى آخره ، وهذا موجود في جميع الحيوانات ، كما قال تعالى : « الَّذِى أَعْطَى كُلَّ شَىْءٍ خَلْقَه‌ُو ثُمَّ هَدَى » « 2 » ، وقوله تعالى : « وَالَّذِى قَدَّرَ فَهَدَى » « 3 » ، ومنه ما يكون إلهاماً منه تعالى ، أو من الملك في القلب من غير حصول العلم بأنّه من عند اللَّه تعالى ، كما في قوله : « وَأَوْحَيْنَآ إِلَى أُمّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ » « 4 » ، ويكثر نظيره في سائر الناس خاصّة في المؤمنين منهم ، فالفارق بين وحي النبوّة وغيرها حصول العلم بأنّ الإلقاء من اللَّه في الأوّل دون الثاني . وأمّا الإمامة فهي مرتبة زعامة الامّة والولاية على أنفسهم وأموالهم ، ولا ملازمة بينها وبين النبوّة والرسالة ؛ فإنّ قوامهما كما عرفت « 5 » بأخذ الأحكام من اللَّه تعالى ، ثمّ إبلاغه إلى الناس ، ولا يستلزم ذلك الولاية المذكورة ، فقد قال تعالى : « وَما عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلغُ الْمُبِينُ » . « 6 » ويظهر من تواريخ الأنبياء وما ورد فيهم أنّ عدّة كثيرة منهم لم يقوموا إلّابأمر التبليغ ، كهود وصالح وشعيب ولوط ، وهم أنبياء ورسل ، نعم من تصدّى منهم لزعامة الامّة وشؤون الإمامة فهو إمام أيضاً ، كما قال تعالى : « وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَ هِيمَ رَبُّه‌ُو بِكَلِمتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنّى جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرّيَّتِى قَالَ لَايَنَالُ عَهْدِى الظلِمِينَ » « 7 » ، وهذه الرتبة قد أعطاها اللَّه إبراهيم بعد نبوّته ، بل بعد كبر سنّه وفي أخريات أيّام عمره ؛ إذ الظاهر من الآية أنّ الإمامة عرضت عليه حال وجود ذرّيّته ، وإنّما حصلت الذرّيّة له بعد كبره ؛ حيث يقول : « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِى وَهَبَ لِى عَلَى الْكِبَرِ إِسْمعِيلَ وَإِسْحقَ » « 8 » وسائر الآيات التي يستفاد ذلك منه . وعلى ما ذكرنا فبين عنوان النبيّ والرسول عموم من وجه ، ويشتركان في كونهما
هامش
( 1 ) . النحل ( 16 ) : 68 . . ( 2 ) . طه ( 20 ) : 50 . . ( 3 ) . الأعلى ( 87 ) : 3 . . ( 4 ) . القصص ( 28 ) : 7 . . ( 5 ) . أي قبيل هذا . . ( 6 ) . النور ( 24 ) : 54 ؛ العنكبوت ( 29 ) : 18 . . ( 7 ) . البقرة ( 2 ) : 124 . . ( 8 ) . إبراهيم ( 14 ) : 39 . .