يمكن عادة سقوطه عنها ، ولذلك لم يسمع عزل نبيّ عن نبوّته وسقوط إمام عن إمامته ، وهذا هو اللائق بحال سفراء اللَّه ومن اختاره رسولًا نبيّاً وإماماً هادياً .
ولنرجع إلى معنى الآية فنقول : إنّ الآية الشريفة وإن كانت في مقام إبراء ساحة المسيح المقدّسة عمّا نسبوا إليه من مقام الربوبية بالأنحاء المختلفة من كونها إلهاً أو ابن اله أو أحد الآلهة الثلاثة ، ففي هذا الكلام عود إلى بدء من حكاية حال عيسى والتعرّض لشرح ولادته وحياته وما نسب إليه من الأمور غير اللائقة بشأنه إلّاأنّها لا تخلو من الإشارة إلى أمر هامّ وحقيقة راهنة خليقة بالتوجّه إليها وإلفات النظر نحوها ، وهو مقايسة حال المنسوبين إليه تعالى والمنصوبين من قبله مع حال مخلوقاته وعباده المتصدّين للرئاسات ونصب الامراء والولاة من الملوك والسلاطين ، حيث يختارون لُامورهم والتصدّى لمناصبهم يوماً ، ويعزلون المنتخب في يوم آخر ؛ لانكشاف عدم الجدارة فيه ، أو لارتكابه ما ليس له فعله ، فالمقصود أنّه لا يسع ولا يمكن إمكاناً وقوعيّاً صدور دعوى الربوبية لنفسه ممّن آتاه اللَّه الكتاب والحكم والنبوّة .
وقوله : « وَلا يَأْمُرُكُمْ » عطف على قوله : « ثُمَّ يَقُولُ » ، زيد كلمة النفي فيه للتأكيد ، والمعنى : ما كان لبشر هذا شأنه أن يأمركم باتّخاذ الملائكة والأنبياء أرباباً .
والحاصل أنّه لا يصدر منه دعوى الربوبية لنفسه ولا الدعوة إلى ربوبية غيره كائناً من كان ولو كان أفضل من خلقه اللَّه وأكرم من برأه ، كالملائكة .
وجعل المتعلّق في مسألة دعوى الربوبية الناس بنحو الغيبة ، وفي مورد الدعوة إلى ربوبية الغير المخاطبين في عصر القرآن ؛ لأجل أن ينطبق الكلام على ما كان صدر منهم ؛ حيث إنّهم ادّعوا أنّ عيسى دعا الناس إلى عبادة نفسه ، وكانوا يطلبون من النبيّ الأعظم تصديق ذاك الأمر ودعوة امّته إليه .
وقوله تعالى : « وَلكِن كُونُواْ رَبنِيّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتبَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ » « 1 » ، أي بل يقول البشر الذي آتيناه الكتاب والحكم والنبوّة : كونوا ربّانيّين .
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 79 . .