قوله تعالى : « إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمنِهِمْ ثَمَنًا » . ليس المراد بالاشتراء هنا البيع ولا الشراء ؛ لعدم تعلّقه بالثمن بكلّ واحد من المعنيين ؛ إذ الثمن لا يباع ولا يشترى ، والقولُ بأنّ الباء في قوله : « بِعَهْدِ اللَّهِ » زائدة ، وقوله : « ثَمَناً » منصوب بنزع الخافض ، والمعنى : إنّ الذين يبيعون عهد اللَّه بثمن قليل إلى آخره ، حملٌ للأية على خلاف ظاهره من جهتين ، فالأولى [ ما ] « 1 » ذهب إليه بعض المفسّرين من كون الاشتراء بمعنى الاستبدال ، « 2 » فالآية تنهى عن استبدال عهود اللَّه بالثمن القليل بمعنى مخالفتها طلباً للمال والجاه وحبّاً لمتاع الدنيا .
ثمّ إنّ العهد في هذه الآية منسوب إلى اللَّه ، فيشمل الأحكام الإلهيّة بلا إشكال ، وكذا يشمل ما يوجبه الإنسان على نفسه ؛ فإنّه ينسب إلى اللَّه أيضاً ، كما في قولك : عاهدت اللَّه أو للَّهعليّ أن أفعل كذا ، وأمّا العهود الواقعة بين الناس بعضهم ببعض ففي شمول الآية لها خفاء ، بل الظاهر أنّ الآية مسوقة لبيان خصوص القسم الأوّل من العهود .
وذلك لما يتراءى من كلمات القوم من حصر مصداق الآية في علماء اليهود والنصارى ، حيث حرّفوا التوراة والإنجيل ، ونقضوا عهد اللَّه إليهم في العمل بهما وإبلاغهما وبيانهما للناس وعدم كتمان أحكامهما حفظاً للرئاسة وحبّاً وطمعاً في متاع الدنيا ، لكنّ الظاهر - مع فرض كون المراد بالعهد خصوص القسم الأوّل - أنّ الآية غير منحصرة في أولئك القوم ، فكلّ من خالف حكماً من أحكامه تعالى وتركه حبّاً للمال أو طلباً للجاه ونحو ذلك ، فهو قد استبدل عهد اللَّه في كتابه وسنّة نبيّه بثمن بخس ، ودخل في معنى الآية ، وكم لهؤلاء من نظائر في زماننا هذا .
وحيث إنّ المراد باستبدال العهد الأعم من تغيير أحكام اللَّه تعالى وتحريفها وكتمانها عن أهلها ومخالفتها عملًا ولو مع الاعتقاد بثبوتها ، والمراد بالثمن القليل
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أضفناه لمقتضى السياق . .
( 2 ) . ذهب إليه الزمخشري في الكشّاف ، ج 1 ، ص 376 ؛ والشيخ الطبرسي قدس سره في مجمع البيان ، ج 2 ، ص 778 ، والبيضاوي في أنوار التنزيل ، ج 2 ، ص 25 . .