تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 361

مساهمون:

ص٣٦١
والثالث : العهود الواقعة بين العباد بعضهم مع بعض ، وهي العقود اللازمة والجائزة ، كالبيع والإجارة والنكاح والمزارعة والمساقاة ونحوها ، فهي عهود والتزامات منسوبة إلى العباد ؛ فإنّ من يملك ماله بثمن فإنّما يلتزم بإخراج المال عن ملكه ويلزم صاحبه بإعطاء بدله . والإيفاء بها العمل بمقتضاها وعدم نقضها وفسخها ، ولعلّ بعض الآيات وارد في هذا القسم ، قال تعالى : « الَّذِينَ عهَدتَّ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِى كُلّ مَرَّةٍ » « 1 » ؛ « إِلَّا الَّذِينَ عهَدتُّم مّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنقُصُوكُمْ شَيًا » « 2 » . وقد ذكر عدّة من أصحابنا هذه الأقسام في ذيل الآية الأولى من المائدة ، وحملوا العقد في قوله تعالى : « أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ » « 3 » - بعد بيان أنّ المراد به العهد - على العهود الثلاثة المذكورة . « 4 » وقوله تعالى : « وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ » . المراد بالتقوى الاتّقاء عن المخالفة في جميع الأقسام المذكورة للعهد ، فإن أريد بها التقوى عملًا ، كان عنوان التقوى معلولًا للإيفاء ، وإن أريد بها التقوى قلباً بمعنى الخوف من اللَّه الباعث على الحركة نحو طاعته ، كان ذلك علّة للإيفاء . وحبّ اللَّه عبارة عن إنعامه وتفضّله ؛ لأنّك قد عرفت أنّ حبّه تعالى صفة ترجع إلى فعله لمقتضى الحبّ وترتيب آثاره ، فيكون المراد بالآثار هنا هي الآثار المترتّبة بعد حصول صفة التقوى للعبد ؛ لأنّه الموضوع للحبّ ، فإعطاء الوجود وسائر النعم الدنيوية وبذل نعمة الدين وتوفيق قبوله من آثار الحبّ الحاصلة قبل عنوان التقوى ، وإبقاءتلك النعم وكذا إعطاء الثواب في الآخرة من آثار الحبّ بعد حصول التقوى ، فهي المرادة بهذه الجملة .
هامش
( 1 ) . الأنفال ( 8 ) : 56 . . ( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 4 . . ( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 1 . . ( 4 ) . راجع : التبيان ، ج 3 ، ص 414 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 234 ؛ الميزان ، ج 5 ، ص 158 . .
تفسير مبسوط — صفحة 361 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى