تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 346

مساهمون:

ص٣٤٦
فإنّ عدّة منها لم تشرع في حقّ الصبيان والمجانين والمرضى والفقراء ونحوهم ؟ قلت : ليس المراد بأصل الاشتراك والمساواة كونها مجعولة في حقّ جميع الناس من غير استثناء ، وإلّالزم خلاف المصلحة والحكمة في جعلها وتشريعها كما ستعرف ؛ فإنّه لمّا كان اللازم لمشرّع القوانين ملاحظة المصلحة في تشريعها ، سواء في ذلك الشارع الحكيم ، أو غيره ممّن يتصدّي لتقنين القانون على ملّة وامّة ، فيلاحظ الحكم والموضوع أوّلًا ، والصلاح والفساد المترتّب على المتعلّق والموضوع ثانياً ، ثمّ ينشئ الحكم ويرتّبه على الموضوع ، فإذا أراد المشرّع إيجاب الحجّ مثلًا ، لابدّ له من ملاحظة المصلحة الملزمة في تشريعه ، فيرى أنّ المصلحة مترتّبة على عنوان المستطيع من جهة المال والبدن والسرب ، « 1 » لا على جميع الناس ، فيجعل الحكم وينشؤه على ذلك العنوان . ولازم ذلك خروج عدّة كثيرة عن موضوع التشريع ، ولا بأس بذلك ؛ فإنّ المدّعى في المقام هو أنّ أصالة الاشتراك والمساواة ملحوظة في العنوان بعد ترتّب الحكم ، فلا فرق في وجوبه على المستطيع بين أفراده ولا امتياز فيه بالمكان أو الزمان أو القبائل والطوائف . فهاهنا اختلاف في شمول الأحكام من جهة واتّحاد وتساوٍ فيه من جهة أخرى ، والأوّل عبارة عن كون الناس مختلفين في انطباق العناوين ذات المصلحة وعدمه ، ومنشؤه اختلافهم في مراحل التكوين كما عرفت ، « 2 » والثاني عبارة عن تساوي الواجدين للعنوان الواقع في موضوع الحكم . والظاهر أنّ القاعدة المعروفة في علم أصول الفقه بقاعدة الاشتراك يراد بها هذا المعنى ، فترى أنّ المدّعين لكون الخطابات القرآنية مختصّة بالحاضرين في زمن الخطاب ، تمسّكوا في تسرية الحكم إلى الغائبين أو الموجودين بعد ذلك الزمان بأنّ
هامش
( 1 ) . السرب ، بالفتح : الطريق ، وبالكسر : النفس . المصباح المنير ، ص 272 ( سرب ) . . ( 2 ) . أي قبيل هذا . .