تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 344

مساهمون:

ص٣٤٤
عدم السبيل للُامّيّين عليهم ، المساوقة مع دعوى فضلهم على المسلمين ، بل مع دعواهم التسلّط على أنفس المسلمين وأموالهم ؛ فإنّ عدم ثبوت حقّ القصاص عليهم مثلًا إذا قتلوا وعدم مطالبتهم بالمال إذا أتلفوه ، يستلزم تلك السلطنة بلا ترديد ، فالذمّ والتوبيخ راجع في الحقيقة إلى دعواهم السلطنة على الامّيّين ، فكيف ثبت نظير هذا الحكم للمسلمين بالنسبة إلى الكفّار غير الذمّيّين في شريعة الإسلام ؟ ألا ترى أنّ الأصحاب قد أفتوا بجواز قتل الحربي وأخذ ماله وأنّه لا سبيل للحربي عليه بقصاص في النفس ، أو مقاصّة في مال ؟ والجواب أنّ ردّ اللَّه دعوى تسلّط أهل الكتاب على غيرهم لا يستلزم عدم تشريعه تسلّط أحد على أحد ، أو طائفة على طائفة أخرى مطلقاً ، بل قد تقتضي المصلحة العامّة في المجتمع جعل السلطنة كذلك وإهدار دماء عدّة وهتك احترام المال لعدّة آخرين . إن قلت : من هو الحاكم في هذا المضمار ؟ ولمن القضاء فيه ؟ وما هو الملاك في تشخيص احترام النفوس وحرمة الأموال ؟ قلت : لابدّ من أن يكون الحاكم فيه هو اللَّه تعالى ، وهل ذلك إلّاموضوع كسائر الموضوعات التي يجب أن يجعل له حكم ويشرع له قانون ؟ وحينئذ نقول : إنّ مقتضى الأدلّة والقواعد هو أصالة الاستقلال في الإنسان وأصالة عدم سلطنة أحد على أحد ، بمعنى أنّ الأصل أن يكون كلّ إنسان حرّاً بذاته مستقلًاّ بنفسه ، له أن يفعل ما يشاء ، ولا يكون لأحد من مثله عليه سبيل بالغلبة والاستخدام والاستعباد في بدنه ، والاستحمار في فكرته والاستثمار في أعماله ، والجامع للكلّ منع كلّ إنسان عن استضعاف مثله في شتّى شؤونه وأموره . وهذه القاعدة هي التي أمضتها المجتمعات الدولية وجعلتها من اسّ قوانينها الأصلية في منشورها ، وإليها أشار المحقّق الأنصاري قدس سره في كتابه المكاسب في مقام تعرّضه لبيان مناصب الفقيه وأنّها ثلاثة : الإفتاء والقضاء بين الناس وولاية التصرّف
تفسير مبسوط — صفحة 344 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى