تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 340

مساهمون:

ص٣٤٠
وقوله : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ » . الفضل عبارة عن الزيادة على قدر الاقتصار ، كفضل العلم والمال والجسم والعمل وغير ذلك ، ويكثر استعماله في مطلق النعمة . والرحمة عبارة عن الصفة القلبية الخاصّة ، وتستعمل إذا جعلت وصفاً للَّه‌تعالى في ترتيب آثار ذلك ، فترجع إلى إنعامه تعالى في الدنيا ، أو في الآخرة ، أو فيهما . وقوله : « يُؤْتِيهِ مَن يَشَآءُ » ، وكذا قوله : « يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ » ، فقد يتوهّم منه أنّ تعليق إيتاء الفضل وتخصيص الرحمة بمشيّة اللَّه يدلّ على عدم ملاك وميزان في ذلك بحسب الواقع وعند العقل ، بل له أن يؤتي من لا استحقاق له عند العقل ، فيغفر للكافر المسئ ويدخله الجنّة ، ويحرّم المؤمن العامل ويورده النار ؛ فإنّ اللَّه لا يُسأل عمّا يفعل ، وهم يسألون ، « 1 » لكن قد مرّ منّا ما يوضح حقيقة الأمر في نظائر المقام . ففي الآيتين إن أرجعنا الضمير المستتر في كلمة « يَشاءُ » إلى الموصول ، كان المعنى : إنّ اللَّه يؤتي الفضل ويختصّ بالرحمة من يشاؤهما ، فلا فضل ولا رحمة لمن لم يشأهما ، وهذا معنى مرجوح ، بل ظاهر الكلام رجوعه إلى اللَّه تعالى . ولا يرد ما ذكرناه من الإشكال ؛ إذ تعليق الإعطاء على المشيّة لا يقتضي لغويّة المشيّة وعدم وجود الحكمة في ذلك ؛ فقد ثبت بالعقل والنقل امتناع صدور اللغو واللهو عنه تعالى وكون جميع أفعاله صادرة عن حكمة وصلاح . وقد عرفت أنّ أصول نعمه تعالى التي إليها يرجع معنى الفضل والرحمة ، ستّة : 1 . نعمة الوجود ؛ 2 . ونعمة وسائل البقاء وحفظ الوجود ؛ 3 . ونعمة العقل ؛ 4 . ونعمة الدين ؛ 5 . ونعمة التوفيق للعمل به ؛ 6 . ونعمة الثواب والجزاء لمن عمل به . وقد اقتضت حكمته تعالى إعطاء الأوليين لكلّ ما أوجده وأبقاه ، والوسطيّين لجميع ذوي العقول والمكلّفين من الإنس والجنّ ، بل الملك والشيطان ، فهي أخصّ من الأولى ، والأخيرتين لمن آمن وعمل صالحاً من المكلّفين ، فدائرتها أضيق من سابقتها أيضاً ، وليس إعطاؤها في جميع درجاتها إلّالحكمة ومصلحة وإن لم ندركها أحيانا ، أو في غالب مواردها .
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 23 من سورة الأنبياء ( 21 ) . .
تفسير مبسوط — صفحة 340 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى