في آخره ؛ فإنّ أمر القبلة ولزوم استقبال النبيّ والمسلمين إلى بيت المقدس كان من أوّل بعثة النبيّ الأعظم في مكّة ، وقد صلّى هو والمؤمنون إلى القدس ثلاثة عشر عاماً في مكّة وما يقرب من سبعة عشر شهراً في المدينة ، نعم قد كان صلى الله عليه وآله يراعى أحياناً في مكّة استقبال القبلتين : القدس والمسجد الحرام ، وبالجملة لا نعرف هنا حكماً نازلًا في أوّل النهار ، ولم نعرف وقت نزول الحكم الأوّل عند ابتداء بعثة الرسول صلى الله عليه وآله .
وثانياً : أنّه لم يكن الحكم الناسخ - أي استقبال مكّة - في آخر النهار ، بل في وسطه ؛ إذ المرويّ أنّ جبرئيل آتاه في صلاة الظهر بعد ما صلّى منها ركعتين ، فحوّل وجهه إلى الكعبة .
وثالثاً : جعل الظرف الثاني - ؛ أعني قوله : « آخِرَهُ » - متعلّقاً بفعل مقدّر بتقدير : واكفروا بالذي انزل عليهم آخره ، خلاف الظاهر ، بل ظاهره أنّه متعلّق ب « اكْفُرُوا » ، فيكون مؤيّداً لتعلّق الظرف الأوّل بكلمة « آمِنُوا » ، وليس فيه خلاف الظاهر .
ورابعاً : أنّ قوله تعالى : « لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ » في مقام تعليل ما حكموا به من الإيمان أوّل النهار والكفر آخره ، فجعل قوله : « أنْ يُؤْتى أحَدٌ » و « أوْ يُحاجُّوكُمْ » أيضاً تعليلًا غير ظاهر .
فالأولى أن يقال في معنى الآيات : إنّ الآية الأولى مسوّقة لإفادة أمر ، والثانية لبيان أمر آخر ، وكلاهما من الأمور الخفيّة التي كانت بين علماء اليهود وكبرائهم ، أخبر عنهما القرآن بنحو الإعجاز إظهاراً لفساد أمرهم وحسدهم وكتمانهم الحقّ المعلوم عندهم .
أمّا الأوّل « 1 » فهو نوع من التخطّط والحيل التي رسموها لتضعيف عقائد المسلمين وإرجاعهم عن دينهم بأن يدخل عدّة منهم في الإسلام ويؤمنوا في الظاهر أوّل النهار ، ثمّ يكفروا آخره ، قائلين بأنّا آمنّا ودخلنا في الدين وقربنا من الإسلام وأحكامه وقوانينه ، فلم نر فيها صدقاً وحقّاً ولا ما يليق ويجدر بالقبول ، فخرجنا إلى ما كنّا فيه ، وقد فعلوا ذلك راجين أن يؤثّر في رجوع من آمن بذاك الدين من المسلمين .
هامش
( 1 ) . أي الأمر الأوّل الذي تفيده الآية الأولى . .