وأمّا الآية الثانية فالإيمان فيها بمعنى التصديق والاعتراف لساناً ، كما في قوله تعالى : « قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَّكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ » ، « 1 » أي يصدّق المؤمنين ويقرّ بصدقهم ، ويؤيّد تعديته باللام ، كما في المقام ، فالغرض من الآية بيان أمر آخر من أقوالهم في ما بينهم والكشف عن مكرهم عندما خلوا إلى شياطينهم « 2 » ، وهو استيصاء بعضهم إلى بعض أن لا يعترفوا للمسلمين بأمرين مع كونهما معلوماً عندهم ، مذكوراً في كتابهم :
الأوّل بعث نبيّ منهم ونزول كتاب ودين عليهم ، مثل ما أوتي اليهود .
والثاني احتجاجهم يوم القيامة على اليهود بكتابهم ودينهم ، حيث أخبر اللَّه تعالى فيه بمجيء النبيّ وحقّيّة كتابه ودينه ، فقوله تعالى : « وَلَا تُؤْمِنُواْ » عطف على قوله : « آمِنُوا » ، أي قالت طائفة منهم : لا تؤمنوا إلى آخره ، وقوله : « أَن يُؤْتَى » إلى آخره ، متعلق بقوله : « لَاتُؤْمِنُواْ » ، وجملة « قُلْ إِنَّ الْهُدَى » معترضة واقعة موقع الجواب عن قولهم ، كما أنّ قوله : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ » إلى آخره ، أيضاً جواب عن كلامهم ؛ فإنّ الثابت فيهم أمران : كتمانهم الحقّ ، والعلّة الحقيقية الباطنية في ذلك هو الحسد .
فأجاب عن كتمانهم بأنّ الهداية النافذة المؤثّرة ليست إلّاهداية اللَّه ، فكتمانهم لا يدفع مشيّة اللَّه ولا يؤثّر شيئاً .
وأجاب عن حسدهم للمسلمين ولما آتاهم اللَّه تعالى من النبيّ والكتاب ب قوله : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ » فقولوا ما شئتم واحسدوا ما أردتم ، فلا تمنعون فضل اللَّه عمّن أراده اللَّه بالإحسان ولا رحمته عمّن أراده بالرحمة والامتنان .
ثمّ إنّ تقديم التعليل الأوّل وجعله بنحو الجملة المعترضة ، لعلّه لبيان شدّة قبح كتمانهم أو لأمر آخر لا نعلمه ، والآية الشريفة ممّا اعترف عدّة من المفسّرين « 3 » بأنّها أصعب آية في القرآن من حيث اللفظ والمعنى ، واللَّه العالم بحقائق تنزيله .
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 61 . .
( 2 ) . اقتباس من قوله تعالى : « وَإذا لَقُوا الَّذينَ آمَنُوا قالُوا آمَنّا وَإذا خَلَوْا إلى شَياطينِهِمْ قالُوا إنّا مَعَكُمْ إنَّما نَحْنُمُسْتَهْزِؤُنَ » . البقرة ( 2 ) : 14 . .
( 3 ) . مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 259 ؛ الجامع لأحكام القرآن ، ج 4 ، ص 112 ؛ الصافي ، ج 1 ، ص 348 . .