تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 337

مساهمون:

ص٣٣٧
الأولى - وهي بيت المقدس - في صلاتهم في المدينة ، والحكم الثاني استقبالهم القبلة الثانية ، وهي الكعبة ؛ حيث نسخ اللَّه الأولى بعد بضعة عشر شهراً من هجرة النبيّ إلى المدينة ، وأمر الناس باستقبال الثانية ، وكان زمان نزول النسخ صلاة الظهر أو العصر بعد ما صلّى النبيّ ركعتين ، فجاء جبرئيل إلى النبيّ الأعظم ، وهو مشتغل بصلاة الجماعة في المسجد ، فحوّل وجهه الشريف من مسجد الأقصى إلى المسجد الحرام ، ثمّ تحوّل المأمومون ، فصار الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال بمعنى تقدّم صفوفهنّ على صفوفهم ، وكان هذا الأمر - ؛ أعني تحويل القبلة - مذكوراً في التوراة وصفاً للنبيّ الأعظم ، وعلى هذا فقوله : « أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مّثْلَ مَآ أُوتِيتُمْ » في محلّ النصب على إضمار « مخافة » أو « كراهة » ، وقوله : « أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبّكُمْ » عطف عليه ، وقوله : « إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ » ، جواب عن أمرهم بالكفر بالحكم الثاني وترك الاعتراف بحقّيّته ، كما أنّ قوله : « قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ » إلى آخره جواب عن قولهم : « أنْ يُؤْتى أحَدٌ مِثْلَ ما اوتيتُمْ » . فحاصل مفاد الآية حينئذ إنَّ الطائفة قال بعضهم لبعض : آمنوا بحكم الاستقبال في الصلاة نحو المسجد الأقصى ، واكفروا به نحو الكعبة ، ولا تقرّوا بكون الحكم المذكور ثابتاً في التوراة إلّالأتباع دينكم حذراً من أن يؤتى المسلمون قبلة مثل ما أوتيتم ، وحذراً من أن يحتجّوا عليكم بذاك الإقرار يوم القيامة . فأجاب اللَّه تعالى عن سترهم الحكم وإخفائه عن المسلمين بأنّه لم يكن جحدكم حكم اللَّه تعالى وثبوته في كتابكم إلّالمنعكم عن هداية اللَّه ، مع أنّ الهداية النافذة التي لا يمنع عنها هي هداية اللَّه ، وعن حصرهم بعث النبيّ ونزول الكتاب بأنفسهم بأنّ رحمة اللَّه بيده يختصّ بها من يشاء من المسلمين وغيرهم . هذا ما ذهب إليه بعض « 1 » في معنى الآية ، واختاره صاحب الميزان « 2 » دام ظله لكن فيه : اوّلًا : أنّه ليس هاهنا حكم شرعي خاصّ نزل في أوّل النهار ، ثمّ نسخ ونزل خلافه
هامش
( 1 ) . قال به أكثر أهل العلم ، مثل مجاهد وابن عبّاس وغيرهما على ما نقل عنهم في : التبيان ، ج 2 ، ص 499 ؛ مجمع البيان ، ج 2 ، ص 774 ؛ مفاتيح الغيب ، ج 8 ، ص 258 ؛ تفسير القرآن العظيم لابن كثير ، ج 2 ، ص 50 و 51 . . ( 2 ) . الميزان ، ج 3 ، ص 257 . .