غيرهما من الأنبياء بغيرها من المعاجز ، فقد أخطأ وخبط وأنكر ما هو أوضح من الأمس ، نعم ليس الكتاب الكريم مثل تلك المعجزات ممّا يناسب حال العوام والبسطاء من الناس ، بل ممّا يدركه أهل النُهى « 1 » وذووا الألباب ، « 2 » وكذا قصّة المعراج ومجيء الملائكة في غزوة بدر وشقّ القمر ونحو ذلك .
وبالجملة فالإنكار من الكفّار كفر بها مع الشهادة والحضور ، وكذلك إنكارهم للآيات العامّة ؛ فإنّ أدلّة التوحيد وأدلّة صفات اللَّه تعالى الجلالية والجمالية هي التي ملأت الآفاق لمن كان له قلب ، أو ألقى السمع وهو شهيد ، « 3 » فالقول بالتثليث ونحو ذلك إنكار لها وهم حاضرون عند الآيات ، شاهدون لها ، ومثله إنكارهم للآيات القرآنية بما هي كلمات اللَّه .
فظهر أنّ معنى قوله تعالى : « وَأنْتُمْ تَشْهَدُونَ » أي تحضرون تلك الآيات ، وهي بمرأى منكم ومنظر ومدرك .
وقوله : « يأَهْلَ الْكِتبِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ » .
خطاب أيضاً لأهل الكتاب من اليهود والنصارى ، واللبس : الخلط ، ولبس الحقّ بالباطل يكون تارة في الأصول الاعتقادية ، وأخرى في الأعمال ، فالأوّل كما في القول بالتثليث ونحوه ، فالقولُ بأنّ اللَّه هو الذي له ابن ، أو له شريك ، كروح القدس خلطٌ للحقّ بالباطل ، ويلازمه كتمانهم الحقّ وعدم معرفتهم ربّهم من حيث الذات والصفات بما يتيسّر للإنسان معرفته .
ونظير هذا إشراك عبدة الأوثان ؛ فإنّهم وإن كانوا قائلين باللَّه تعالى - كما يشهد بذلك قوله تعالى : « وَلَلئن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّموَ تِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » « 4 » وقوله تعالى :
هامش
( 1 ) . النُهى : العقل ، يكون واحداً وجمعاً ، أو هو جمع النُهْيَة ، وهو العقل ، سمّي بذلك ؛ لأنّه ينهى عن القبيح . لسانالعرب ، ج 15 ، ص 346 ( نهي ) . .
( 2 ) . الألباب : جمع اللُبّ ، وهو من كلّ شيء خالصه وخياره ، ولبّ الرجل : ما جعل في قلبه من العقل الخالص من الشوائب . راجع : المفردات للراغب ، ص 446 ؛ لسان العرب ، ج 1 ، ص 729 ( لبب ) . .
( 3 ) . اقتباس من الآية 37 من سورة ق ( 50 ) . .
( 4 ) . لقمان ( 31 ) : 25 ؛ الزمر ( 39 ) : 38 . .