أيضاً منها ؛ فإنّ العذر في الضلالة يكون سبباً لعدم ترتّب العقاب ، لا لترتّب الثواب أيضاً .
هذا ، ولك أن تقول في جواب الإشكال المذكور : إنّ المراد بالودّ ، الحبّ القلبي لا العملي ، وإنّ الإخبار عن وجود صفة من الصفات الباطنية في الكفّار فالمراد أنّ في قلبهم حبّ ضلالة الناس وودّ إيقاعهم في الكفر والعصيان ، وحيث إنّ نفس هذا الحبّ رذيلة أخلاقية وعائبة شيطانية وخبث في السريرة الإنسانية ، فهم قد أضلّوا أنفسهم بتحصيل هذه الرذيلة ، والفرض أنّه لا تأثير له في حال المسلمين ، فلم يضلّوا إلّا أنفسهم ولم يشعروا بمرضهم هذا ؛ لحبّهم أنفسهم ، وحبّ الشيء يعمي ويصمّ .
وقوله : « يأَهْلَ الْكِتبِ لِمَ تَكْفُرُونَ بَايتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ » . الكفر أصله الستر ، ويستعمل في الإنكار والجحد ؛ حيث إنّ الجاحد لأمر كأنّه يستره ، وهو المراد هنا . والآية في اللغة : العلامة الظاهرة الحاكية عن شيء غير ظاهر بحيث إذا أدرك الأوّل فهم الثاني ، « 1 » وقد استعملت في الكتاب الكريم في موارد :
الأوّل : في ما جعله اللَّه وعيّنه لفرض كونه آية وعلامة لتوحيده وقدرته وسائر أوصافه ، أو نبوّة نبيّه ، أو نحو ذلك ، ولتسمّ بالآية الخاصّة ، وذلك كمعجزات الأنبياء وسائر الأمور الخارقة لناموس الطبيعة ؛ قال تعالى : في قصّة صالح النبيّ عليه السلام : « يقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُم مّنْ إِلهٍ غَيْرُهُو قَدْ جَآءَتْكُم بَيّنَةٌ مّن رَّبّكُمْ هذِهِى نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ ءَايَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِى أَرْضِ اللَّهِ » « 2 » .
وقال تعالى في قصّة عيسى : « قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَآ أَنزِلْ عَلَيْنَا مَآلدَةً مّنَالسَّمَآءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِاَوَّلِنَا وَءَاخِرِنَا وَءَايَةً مّنكَ » « 3 » .
وقال في قصّة عزير : « أَوْ كَالَّذِى مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْىِىهذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِاْئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُو قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَل لَّبِثْتَ مِاْئَةَ عَامٍ فَانظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ ءَايَةً لّلنَّاسِ » « 4 » .
هامش
( 1 ) . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 62 ( أيا ) . .
( 2 ) . الأعراف ( 7 ) : 73 . .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 114 . .
( 4 ) . البقرة ( 2 ) : 259 . .