تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 329

مساهمون:

ص٣٢٩
كون الجملتين إيجابيتين بأن يقال : إنّهم أضلّوا المسلمين ، فأضلّوا أنفسهم . قلت : حصول الضلالة في المسلمين بإضلال الكفّار على قسمين : أحدهما : اختيارهم الضلالة عن علم وعمد ، ولو كان ذلك بعد دعوة الكفّار ووسوستهم وإغوائهم . والثاني : ضلالتهم عن جهل وغفلة بحيث كانوا معذورين في ذلك . أمّا الأوّل فلا إشكال في أنّ للفعل الحاصل هناك - ؛ أعني الضلالة - نسبتين : نسبة إلى الضالّ بالأصالة ، ونسبة إلى المضلّ بالتبع ، كما في سائر موارد نسبة الفعل الواحد إلى المباشر والسبب ، وحيث إنّ المباشر هنا فاعل مريد مختار في فعله ، ويترتّب عليه عقاب فعله ، سوّغ ذلك نفي النسبة عن السبب ؛ لضعفها فيه وقوّتها في المباشر . وهذا كما في نسبة الأعمال القبيحة إلى الإنسان المرتكب لها وإلى الشيطان ، وفي نسبة الأعمال الصالحة إلى فاعليها وإلى اللَّه تعالى ، ألا تلاحظ قوله تعالى في ما يحكي عن الشيطان ممّا يقوله في جهنّم لأتباعه : « وَمَا كَانَ لِىَ عَلَيْكُم مّن سُلْطنٍ إِلَّآ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِى فَلَا تَلُومُونِى وَلُومُواْ أَنفُسَكُم » « 1 » ، فترى أنّ الشيطان ينفي اللوم الناشي عن العقائد الفاسدة والأفعال القبيحة عن نفسه الملازم لنفي نسبة تلك الأفعال عن نفسه ، ويظهر أيضاً أنّه لو كان هناك تسلّط عليهم بإكراه أو إجبار لتوجّه اللوم إلى الشيطان كلًاّ أو بعضاً ؟ هذا كلّه في إثبات النسبة ونفيها ، وأمّا العقاب الأخروي المترتّب على الضلالة المذكورة في الآية وعلى كلّ فعل قبيح صدر عن المباشر المختار ، إذا كان ذلك بأمر من الغير ودعوة وإغواء منه ، فلا إشكال في أنّه كما يترتّب على الفاعل المختار في مباشرته العقاب المجعول لذلك الفعل ، يترتّب نظيره على الآمر المشير إليه ، والداعي المتسبّب لحصوله ، فلاحظ قولَه تعالى في حكاية حال أهل النار : « وَقَالُواْ رَبَّنَآ إِنَّآ أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَآءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَآ ءَاتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا » « 2 » . والمراد بضعفين عذاب عمل السادة بالمباشرة وعذابهم بالأمر والاغواء .
هامش
( 1 ) . إبراهيم ( 14 ) : 22 . . ( 2 ) . الأحزاب ( 33 ) : 67 و 68 . .