في البلاد الإسلاميّة وإدخال سائر وسائل الفحشاء في الممالك الإسلاميّة ، وغير ذلك من كثير الخيانات والمنكرات التي ملأت بلاد المسلمين ، فكلّ ذلك من الإضلال الذي ودّوه وأحبّوه ودّاً عمليّاً وحبّاً خارجياً .
وقوله : « وَما يُضِلُّونَ إلاّ أنْفُسَهُمْ » ، أي أنّهم أضلّوا أنفسهم ، وما أضلّوا المسلمين ، وهذا إشارة إلى قانون عامّ عالمي وسنّة تكوينية أجراها اللَّه في عباده من رجوع نتائج أعمال الناس إلى أنفسهم ، إن خيراً فخيراً ، وإن شرّاً فشرّاً .
وحيث إنّ هذا العالم - أعني الحياة العاجلة الدنيوية - متّصل بعالم الآخرة والحياة الدائمة الأبدية ، فقد يكون الرجوع في هذا العالم - وقد يبقى - إلى عالم الآخرة ، وحينئذ فيتضاعف الجزاء ويزداد ويصير أضعافاً مضاعفة على حسب اختلاف النشأتين في جميع خصوصيّات الحياة وكمال النشأة الأخروية في كلّ جهات ؛ فإنّ الآخرة لهي الحيوان ، « 1 » فالإدراكات الروحية فيها أقوى بمراتب والتلذّذ والتألّم الجسمانية فيها كذلك .
وتشهد على تلك السنّة الإلهية آيات ، قال تعالى :
« لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ » « 2 » .
« ظَهَرَ الْفَسَادُ فِى الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ » « 3 » .
إن قلت : إنّ قوله تعالى : « وَمَا يُضِلُّونَ » يشتمل على جملتين : إيجابية وسلبية ، والمعنى أنّهم يضلّون أنفسهم ، وما يضلّون المسلمين .
أمّا الجملة الأولى فهي التي تؤيّدها الكبرى الكلّية المذكورة ، فهم قد أضلّوا أنفسهم وجعلوها شقيّة ضالّة تستوجب النار وتنتهى بالآخرة إلى الجحيم ، وهو المراد بضلالة النفس إلّاأنّ الكلام في الجملة السلبية ، فكيف يصحّ ذلك إذا فرضنا أنّهم أضلّوا عدّة من المسلمين ، فأخرجوهم من الإيمان وأوردوهم الكفر والعصيان ؟ بل لازم هذا الأمر
هامش
( 1 ) . اقتباس من قوله تعالى : « وَما هذِهِ الْحَياةُ الدُّنْيا إلاّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإنَّ الدّارَ اْلآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوانُ لَوْ كانُوايَعْلَمُونَ » . العنكبوت ( 29 ) : 64 . .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 286 . .
( 3 ) . الروم ( 30 ) : 41 . .