تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 330

مساهمون:

ص٣٣٠
وقولَه تعالى : « كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُواْ فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَلهُمْ لأِولَل - هُمْ رَبَّنَا هؤُلآَءِ أَضَلُّونَا فَاتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مّنَ النَّارِ قَالَ لِكُلّ ضِعْفٌ وَلكِن لَّاتَعْلَمُونَ » « 1 » ؛ فإن الآية الشريفة تدلّ على كون عذاب الامّة الأولى ضعفاً ؛ لضلالهم بأنفسهم وإضلالهم المتأخّرين منهم رتبة أو زماناً ، التابعين لضلالهم والمقتدين بفعالهم ، وعذاب الامّة المتأخّرة فهو ضعف أيضاً ؛ لضلالهم وعونهم المتبوعين في إضلالهم . ويشهد بما ذكرنا أيضاً ما ورد من أنّ « من سنّ سنّة حسنة فله أجر من عمل بها ، ومن سنّ سنّة سيّئة فله وزر من عمل بها » . « 2 » وما ورد من « أنّ الراضي بفعل قوم كالداخل فيه معهم » « 3 » إلى آخره . وهذا يدلّ على عقاب الآمر بالعصيان والداعي إلى مخالفة الرحمن بالأولويّة . فتحصّل ممّا ذكرنا أنّ نفي نسبة الضلالة الصادرة من المسلمين إلى الكفّار إنّما هو لأجل ضعف تلك النسبة وقوّة إسناد الفعل إلى المباشر المختار ، وهو لا ينافي توجّه العقاب على الكافر المضلّ ؛ فإنّ العقاب قد يتوجّه بدون تحقّق الاكتساب أيضاً كما عرفت هذا . وأمّا في صورة حصول الضلالة في المسلمين بإغواء الكفّار مع كونهم معذورين ، فتوجّه الإضلال إليهم أوضح ؛ إذ الظاهر أنّ المراد برجوع الإضلال إلى الكفّار رجوع عقابه ، وهو النار وعذاب الآخرة ، ولا إشكال في أنّه إذا كان ضلال المسلمين عن جهل وغفلة بحيث كانوا معذورين على ما قاله تعالى : « وَمَا كُنَّا مُعَذّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا » « 4 » فلا عقاب عليهم ، والعقاب المترتّب على تلك الضلالة مترتّب على الكفّار ، فهم قد أضلّوا أنفسهم بإلقائها في الهلكة والعذاب ، ولم يوقعوا المسلمين في العذاب . نعم لو كان المراد بالإضلال جعلهم محرومين عن الفوز والنعم الأخروية ، لم تكن السابقة صادقة ؛ إذ الكفّار المضلّين كما حرموا بأنفسهم عن النعم والبركات حرموا الضالّين
هامش
( 1 ) . الأعراف ( 7 ) : 38 . . ( 2 ) . راجع : الفصول المختارة ، ص 136 . . ( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 499 ، الحكمة 154 . . ( 4 ) . الإسراء ( 17 ) : 15 . .