القلب ، أم لم يحصل ، فهو في المرتبة دون الإيمان ، وبه يحصل حقن دم المسلم ، وقد يطلق على مرتبة فوق الإيمان ؛ فإن الإيمان والاعتقاد قلباً قد لا يوجب العمل ، فإذا قوي ذلك بحيث صارت النفس خاضعة لربّها ، منقادة لأوامره ، سلماً للَّهتعالى ، اطلق عليه الإسلام ، فالإسلام هو المرتبة القويّة الكاملة من الإيمان بحيث يستلزم العمل بالأركان ، ولعلّ هذا هو المراد بقوله تعالى : « إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلمُ » ، « 1 » فالدين عبارة عن الإيمان والعمل كليهما ، أو الإيمان الملازم له .
وقوله تعالى : « وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . لعلّه ردّ لدعوى مشركي مكّة حيث يدّعون أنّ إبراهيم الخليل كان منهم ، وهم أبناؤه وعلى دينه ، ويمكن كون ذكره إشعاراً ببطلان دعوى الطائفتين من وجه آخر ، والمراد أنّكم إن تدّعون أنّ إبراهيم كان يهوديّاً متشرّعاً بالتوراة الحقيقية المنزلة من السماء وكذا الإنجيل ، فهي باطلة ؛ لنزول الكتابين بعده ، وإن ادّعيتم أنّه كان على ما هو الموجود عندكم وعلى طريقتكم الفعلية الجارية فيكم ، فلازمه أن يكون إبراهيم أيضاً مشركاً في الطاعة ، أو في العبادة كما أنتم كذلك ، لكنّ إبراهيم كان حنيفاً مسلماً ولم يكن منكم .
وقوله : « إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَ هِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِىُّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ وَاللَّهُ وَلِىُّالْمُؤْمِنِينَ » . ليس المراد بالأولوية هنا التسلّط والولاية في التصرّف والتدبير كما هو واضح ، بل المراد بها القرب من الشيء ، من « ولى يلي فلاناً » : دنا منه وقرب ، وليس المراد بالقرب أيضاً القرب المعنوي من جهة كمال الإيمان ؛ فإنّه لو أريد ذلك لكان موسى وعيسى أيضاً أوليين به ، بل الظاهر أنّ المراد القرب من حيث العمل بشريعته ؛ فإنّ إبراهيم كان جائياً بشريعة خاصّة عاملًا بها ، والأقرب إليه من جهة العمل بها هو أتباعه المؤمنين في عصره وما يليه من الأعصار والنبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله وأتباعه والمؤمنون به من أجل أنّ شريعته صلى الله عليه وآله أقرب الشرايع إلى شريعة إبراهيم ؛ فإنّ شرع موسى كان يغاير شرع إبراهيم ؛ لأجل شموله لبعض الأحكام الخاصّة المرتبطة
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 . .