حقيّة إبراهيم وموسى مثلًا تستلزم وحدة شريعتهما ، أو كان ذلك في اليهود لأجل قولهم بعدم إمكان النسخ في الأحكام الشرعية ، فيلزمهم القول بوحدة الشريعتين .
وعلى أيّ تقدير يكون محصّل الجواب عن دعواهم أنّ بعث الرسول وإنزال الكتاب كالتوراة والإنجيل مثلًا ، معناه إنزال الشريعة مستقلّة ناسخة لسابقتها ، فنزول التوراة والإنجيل بعد إبراهيم معناه عدم كونه يهوديّاً ولا نصرانيّاً ، وما لعلّه زعموه من استلزام حقّيّة المبعوثين وحدة الشريعتين ، منشاؤه جهل الطائفتين بالفرق بين الدين والشريعة وعدم تعقّلهم ذلك ؛ فإنّه لا إشكال في أنّ الدين واحد في جميع الأزمنة والأعصار ، كما قال تعالى : « إِنَّ الدّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلمُ » « 1 » ، وقال : « شَرَعَ لَكُم مّنَ الدّينِ مَا وَصَّى بِهِىنُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِى إِبْرَ هِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى » « 2 » إلى آخره ، فقد شرع اللَّه للجميع ديناً واحداً .
وأمّا الشريعة فهي متعدّدة بتعدّد اولي العزم من الأنبياء ، قال تعالى :
« لِكُلّ جَعَلْنَا مِنكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا » « 3 » .
« لّكُلّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ » « 4 » .
وقوله تعالى : « هأَنتُمْ هؤُلَآءِ حجَجْتُمْ » إلى آخره . ظاهر الآية أنّ للطائفتين احتجاجاً في بعض الأمور ، صادراً عن علمهم بمتعلّق الحجّة وأنّه ليس بمنكر ولا مذموم ، وإنّما الذمّ يتعلّق بهم في ما ادّعوه في حقّ إبراهيم كما ذكر في الآية السابقة ، وأحسن ما يقال في توجيه احتجاجهم على ما علموه ، هو دعوى النصارى نبوّة عيسى وحقّيّة كتابه وشريعته ، فهم يدّعون ذلك عن علم به ويستدلّون له ويحتجّون على إثباته بحجج ، وهم فيه مصيبون ، ودعوى اليهود عدم بنوّة عيسى للَّه ، أو عدم اتّحاده مع الربّ ، أو عدم كونه أحد الثلاثة ، هذا وقيل في ذلك مطالب اخر أغمضنا عن ذكرها .
وقوله : « وَلكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » . الحنيف : المائل إلى الحقّ ،
هامش
( 1 ) . آل عمران ( 3 ) : 19 . .
( 2 ) . الشورى ( 42 ) : 13 . .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 48 . .
( 4 ) . الحجّ ( 22 ) : 67 . .