ويضادّه الجنيف وهو المائل إلى الباطل ، ويلاحظ ذلك في العقائد والأخلاق والأعمال الجوارحيّة ، والميل إلى الصواب في كلّ مرحلة منها حنيفة .
والظاهر أنّ إطلاق هذا الوصف على إبراهيم لأجل كون مقتضى عصره وأهل زمانه طرّاً الفساد والانحراف والدعوة إلى الباطل ، والجذب إلى الخرافات في شتى مراتبها وجهاتها ، فهو عليه السلام كان بما آتاه اللَّه تعالى من الرشد ، حيث قال : « وَلَقَدْ آتَيْنا إبْراهيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ » « 1 » ، يتخلّص من كلّ جاذبة في أيّ موضوع إلى الحقّ والصواب في ذلك المورد ، وقد وقع نظير ذلك للنبيّ الأعظم محمّد صلى الله عليه وآله ؛ فقد نشأ وبرع بين جذبات واقتضاءات متنوّعة من دعوة قومه إلى الإشراك والوثنية وعبادة الأصنام ودعوة العادات والرسوم الفاسدة إلى الرذائل الخلقية وإلى الأعمال المنكرة والفواحش ، فاتّصف بالحنفيّة في جميع ذلك ، بتوفيق من اللَّه ؛ قال تعالى : « أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ وَوَضَعْنَا عَنكَ وِزْرَكَ الَّذِى أَنقَضَ ظَهْرَكَ » « 2 » ، « أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَاوَى وَوَجَدَكَ ضَآلًّا فَهَدَى » « 3 » . ولعلّ المراد بالورز الذي ينقض الظهر هو تلك الاقتضاءات والجذبات .
وقد استعملت كلمة « حنيف » مفرداً في القرآن الكريم في عشرة موارد ، ثمانية منها في وصف إبراهيم الخليل ، أو توصيف دينه وملّته ، ووقعت في موردين وصفاً لنبيّنا محمّد صلى الله عليه وآله أو لدينه ، وهو مشعر إلى ما ذكرنا ؛ قال : « إِنَّ إِبْرَ هِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لّلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ » « 4 » .
ولا فرق في ما ذكرنا بين وقوعها وصفاً للشخص أو لدينه وطريقته ، وقال عليه السلام بعد ما أنكر ربوبية الكواكب والقمر والشمس : « إِنّى وَجَّهْتُ وَجْهِىَ لِلَّذِى فَطَرَ السَّموَ تِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا » « 5 » .
وقوله : « مُسْلِماً » . الإسلام قد يطلق على الإقرار باللسان ، سواء حصل معه الاعتقاد في
هامش
( 1 ) . الأنبياء ( 21 ) : 51 . .
( 2 ) . الشرح ( 94 ) : 1 - 3 . .
( 3 ) . الضحى ( 93 ) : 6 و 7 . .
( 4 ) . النحل ( 16 ) : 120 . .
( 5 ) . الأنعام ( 6 ) : 79 . .