إن قلت : ما هو معنى تساوي تلك الكلمة بين المسلمين وأهل الكتاب ؟ وكيف يصدق هذا التساوي مع ابتعاد الطائفتين عن الإسلام وتفرّق كلّ طائفة إلى فرق كثيرة ؟
قلت : معناه تساويها بينهم في حكم العقل وقضاء الفطرة السليمة وفي مقتضى أصل دينهم وحقيقة شرعهم ؛ إذ لا إشكال في أنّ العقل السليم وكلّ شريعة من الشرايع داعيان إلى التوحيد ، وقد نشأ جميع الاختلافات والتفرّق إلى أحزاب وفرق والتشعّب إلى شعوب وقبائل لأجل الانحراف عن الطريق القويم وما شرعه اللَّه من الشرايع وما وصّاه للناس بلسان الأنبياء ، فالغرض من الآية دعوة أهل الكتاب إلى مقتضى حقيقة الدين وروح جميع الشرائع ، وهو التوحيد اعتقاداً وعملًا ، ولو أجابوا هذه الدعوة كان مفادها الإذعان بجميع الرسل وجميع الكتب السماوية ومنها القرآن ، وكانت النتيجة إسلامهم وترك إشراكهم .
وقوله تعالى : « وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ » . والظاهر أنّ قول بعضهم بربوبية بعض واتّخاذه ربّاً على قسمين : اتّخاذه ربّاً في في الطاعة .
والأوّل هو القول بالوهيّته حقيقة بمعنى كونه في مرتبة فوق رتبة الممكن ، ومن أوصافه وجوب ذاته وقدمها وخلقه الأشياء ورزقه وغير ذلك .
والثاني هو القول بكونه مخلوقاً ممكناً مع القول بقداسته وبلوغه إلى مرتبة من الكمال بحيث يجب الخضوع له وطاعته في جميع ما صدر منه بلا مطالبة دليل ، كاعتقادنا بالنسبة إلى الأنبياء والأئمّة عليهم السلام .
ويشهد بما ذكرناه قوله تعالى في سورة التوبة : « اتَّخَذُواْ أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبنَهُمْ أَرْبَابًا مّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَآ أُمِرُواْ إِلَّا لِيَعْبُدُواْ إِلهًا وَحِدًا لآَّ إِلهَ إِلَّا هُوَ » « 1 » ، فإنّ التفصيل في الآية الشريفة بين الأحبار والرهبان وبين المسيح في اتّخاذهم ربّاً يعطي اختلاف عقائدهم في المسيح وغيره .
أمّا في الأحبار والرهبان فالظاهر أنّهم كانوا يطيعونهم في كلّ ما قالوه طاعة مطلقة
هامش
( 1 ) . التوبة ( 9 ) : 31 . .