يأتي ، فهو صفة فعل ، وعلى أيّ تقدير فهو ملحوظ بنحو الإطلاق ، ولذا فسّروه بالغالب غير المغلوب .
وأمّا الحكيم فهو بمعنى ذي الحكمة ، وهي إصابة الحقّ بالعلم والعقل كما في مفردات الراغب ، « 1 » فاللَّه تعالى حكيم في جميع أفعاله بمعنى كونها على وفق الحقّ ، وكونها كما ينبغي ويليق عقلًا ، لا نقص فيها ولا عيب ، وليس شيء منها بحيث يدرك العقل نقصانه ووقوع الغلط والعوج في خلقه وتدبيره ولحاظ كلّ شيء من أجزاء العالم بنفسه والدقّة في كيفيّته وكمّه ولونه وأعراضه وحالاته ، كثمرة من شجر مثلًا ، ثمّ لحاظه مع نسبته إلى سائر أجزاء العالم وإضافته إلى ما يقارن وجوده منها من جهة كمال ربطه بها وربطها به ، كملاحظة ارتباط الثمر بالشجر والخواصّ الموجودة فيه في انتفاع الحيوان به والتقوّي بأكله واستفادة البدن منه وسائر ما يشاهد ويعاين ، أو يعلم بالدقّة والتجربة ، يورث القطع واليقين بإتقان الصنع في جميع أجزاء العالم ، وهو معنى الحكمة ، وكون خالقه ومدبّره عليماً حكيماً ؛ قال تعالى : « الَّذِى أَحْسَنَ كُلَّ شَىْءٍ خَلَقَهُو » « 2 » ، وقال تعالى : « مَّا تَرَى فِى خَلْقِ الرَّحْمنِ مِن تَفوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ » « 3 » .
فاللَّه تعالى أوجد الأشياء على إتقان الصنع في أصل الإيجاد ، وعلى تدبير تامّ بعد الإيجاد وعلى ترتّب النفع العامّ الملحوظ من خلقتها وتدبيرها ، وكلّ ذلك من الحسن والإعجاب بمكان لو تأمّلته لم تجد فيه فطوراً « 4 » وفتوراً « 5 » ورجع إليك بصرك خائباً . وقوله تعالى : « فَإنْ تَوَلَّوْا فَإنَّ اللَّهَ عَليمٌ بِالْمُفْسِدينَ » . ظاهر الكلام أنّ اللَّه تعالى جعل إعراضهم إفساداً ، ثمّ حكم بأنّه عليم بذلك ، المقصود منه التهديد بالعذاب ، وحيث
هامش
( 1 ) . المفردات للراغب ، ص 127 ( حكم ) . .
( 2 ) . السجدة ( 32 ) : 7 . .
( 3 ) . الملك ( 67 ) : 3 و 4 . .
( 4 ) . قال الراغب :
« أصل الفطر الشقّ طولًا . . . قال : « هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ » ، أي اختلال »
. المفردات ، ص 382 ( فطر ) . .
( 5 ) . الفتور : الضعف والانكسار ، وسكون بعد حدّة ، ولين بعد شدّة وضعف بعد قوّة . راجع : النهاية ، ج 3 ، ص 408 ؛ المفردات للراغب ، ص 371 ( فتر ) . .