تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
ولا بكيفيّة صفاته وسائر جهاته إلّااللَّه تعالى ، فالمراد أنّه لا ينطبق هذان العنوانان إلّا على اللَّه ، وقد ذكر اللَّه تعالى لنفسه بعد إثبات وحدانيّته ، وصفين : العزّة والحكمة ، ولابدّ أن يعلم قبل ذكر معنى الوصفين أنّ صفات اللَّه تعالى على قسمين : صفات الذات وصفات الفعل . فالأولى : ما لم يقع تحت إرادته تعالى ولم يكن محكوماً بها ، كالعلم والقدرة . والثانية : ما يقع محكوماً بالإرادة ، كالخلق والرزق ، فإنّه تعالى يريد تارة فيخلق ويرزق ، ولا يريد أخرى فلا يخلق ولا يرزق . والفرق بينه تعالى وبين خلقه كالإنسان مثلًا في صفات الذات أنّها فيه غير حادثة ، وإلّالزم سبق عدمها واتّصافه بالجهل والعجز في بعض الأوقات ، وتعالى ربّنا عن ذلك ، فهي قديمة بقدم الذات ، وأيضاً أنّها متّحدة مع ذاته تعالى ، وإلّالزم تركّبه من صفة وذات ، وليس اللَّه كذلك ، وهذا بخلاف صفاتنا ؛ فإنّها حادثة فينا ، مسبوقة بالعدم ، وهي غير ذاتنا ، ولذا نتّصف بها تارة وبعدمها أخرى . وهنا فرق ثالث بين صفات اللَّه تعالى مطلقاً وصفات مخلوقه ، أنّها بالإضافة إليه تعالى مطلقة غير مقيّدة بقيد في صفات الذات ، أو بقيد في الجملة في صفات الفعل ، وهي فينا مقيّدة بقيود كثيرة ومحدودة بحدود ، فهو تعالى عالم بكلّ شيء وقادر على كلّ شيء ، وكذلك سميع وبصير بكلّ ما يحقّ أن يسمع ويبصر ، وتلك الصفات في الخلق محدودة بزمان خاصّ ومكان معيّن ومتعلّق محدود ونحو ذلك . وأمّا صفات الفعل فهو تعالى وإن لم يكن خالقاً ورازقاً مثلًا في بعض الأحيان ، إلّا أنّه متى كان خالقاً فهو خالق كلّ شيء ورازق كلّ حيّ ، بخلاف الخلق والرزق مثلًا في غيره . وعلى هذا فالعزيز إمّا أن يلاحظ بمعنى كونه غالباً بالقوّة ، فهو صفة ذات ، وإمّا بمعنى فعليّة غلبته على الأعداء وإهلاك الكفّار وتدميرهم « 1 » في ما مضى وفي ما
هامش
( 1 ) . التدمير : استئصال الهلاك كالدِمار . لسان العرب ، ج 4 ، ص 291 ( دمر ) . .