غير وافية ببيان جميع الأحكام الواقعة وما يبتلى به الناس منها ، فلا مناص عن الرجوع إلى الأمارات والأصول ، مع أنّه وردت أخبار متواترة آمرة بالرجوع إليها في مقام تشخيص الوظائف واستفادة الأحكام ، فراجع أدلّة حجّية خبر الواحد والأصول العملية من الاستصحاب والبراءة وقاعدة الطهارة وغيرها .
وعلى هذا ، فهل يمكن توجّه الذمّ والتوبيخ الوارد في كلام عليّ عليه السلام إلى هذا النوع من الاختلاف ، مع أنّه من اللوازم الحسّيّة للعمل بتلك الأمارات والأصول ؟ كلّا ، ولا يكون ذلك قطعاً .
نعم وهاهنا اختلاف في الفتيا بطريق آخر وقع بين طائفة كثيرة من علماء الإسلام ، وهو الاختلاف الناشي عن العمل بالقياس والاستحسان ، وهما المنشأ لأغلب الاختلافات الواقعة في ما بينهم ، وأنت خبير بأنّهم عاملون بهما في ما إذا لم يكن في المسألة دليل من الكتاب والسنّة النبويّة ، ولا يعتنون بأقوال أئمّة أهل البيت ، كما أنّهم لا يعتقدون بإمامتهم ، فهم - مع اعترافهم بحديث الثقلين « 1 » - قد تركوا العمل برواياتهم ، وعملوا بالقياس والاستحسان ، فالاختلاف الواقع بينهم - كالعمل بمنشأه - أمر مبغوض عند اللَّه ورسوله ، ولا إشكال في كون كلام عليّ عليه السلام راجع إلى ذلك وتوبيخاً عليه وذمّاً لإعراضهم عن التمسّك بما أمر به النبيّ بقوله :
« ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا »
، ففي موثّقة سماعة بن مهران عن الكاظم عليه السلام :
« ما لكم وللقياس ؟ ! إنّما هلك من هلك من قبلكم بالقياس . . . »
، [ ثمّ قال ] « 2 » :
« لعن اللَّه فلاناً ؛ « 3 » كان يقول : قال عليّ وقلت أنا ، وقالت الصحابة ، وقلت أنا » ،
ثمّ قال : « أكنت تجلس إليه ؟ » ، فقلت : لا ، ولكن هذا كلامه . « 4 » وفي صحيحة أبان عن الصادق عليه السلام قال :
« إنّ السنّة لا تقاس ، ألا ترى أنّ المرأة
هامش
( 1 ) . ما بين المعقوفين أضفناه من المصدر . .
( 2 ) . في المصدر : « لعن اللَّه أبا حنيفة » . .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 57 ، باب البدع والرأي والقياس ، ح 13 . .
( 4 ) . نحن قد خرّجنا مصادره من الفريقين في الصفحة 200 و 218 . .