ومثل المقام كمثل المريض الذي اجتمع عليه الأطبّاء لمعالجته ، فتارة يظهر لهم الحال ، ويطّلعون على المرض ، ويتوافقون على مداواة ، ويعلمون دواءه ، وأخرى لم يتّفقوا على قول ، ويزعم كلّ واحد له مرضاً خاصّاً ودواء مخصوصاً ، وثالثة يعترف الجميع بعدم العلم بالمرض ، فيداوي كلّ بما يكون مسكّناً فعليّاً للآلام مع اختلافهم في الدواء المسكّن أو وفاقهم ، فهاهنا للأطبّاء تكليف ، وللمريض تكليف آخر ، أمّا الأطباء فلا إشكال في أنّ وظيفتهم - إذا لم يحصل لهم الوفاق - أن يظهر كلّ منهم ما فهمه من المرض والدواء ، وأمّا المريض فإن حكم عقله في صورة الاختلاف بلزوم ترجيح الأعلم والأفضل ، وإلّاكان مخيّراً في العمل بقول من شاء وأراد ، فعلم بذلك جواب الإشكال الأوّل وأنّه ليس للَّهفي كلّ حادثة أحكام مختلفة ، بل حكم واحد ، والاختلاف نشأ من عدم القدرة على الوصول إليه .
[ بيان أقسام أدلّة الأحكام ]
وأمّا كلام مولانا أمير المؤمنين عليه السلام فليس المراد به نفي الاختلاف وذمّه مطلقاً ، وبيانه أنّ الأحكام الشرعية التي يستفيدها المجتهد من الأدلّة على أقسام ثلاثة :
الأوّل : القطعيات المتّخذة من نصوص الكتاب الحكيم والروايات المتواترة أو المحفوفة بالقرائن القطعية ، وهذا القسم لا اختلاف فيه غالباً بين المجتهدين .
والثاني : الأحكام المستنبطة من الأمارات وظواهر الكتاب والسنّة كما عرفت . « 1 » الثالث : الأحكام المستفادة من الأصول العملية الجارية في موارد عدم الأمارات ، كالإباحة المدلول عليها بالبراءة والاستصحاب وغيرها .
والاختلاف بين الفقهاء لا يكون إلّافي هذين القسمين « 2 » ، فترى أنّ فقيهاً استظهر من أمارة أو إجراء أصل من الأصول حكماً خاصّاً ، واستظهر الآخر حكماً مخالفاً له ، فعلم أنّ منشأ اختلاف الفتيا على الغالب هو العمل بالأمارات والأصول العملية ، ورفع الاختلاف لا يكون إلّابترك العمل بهما والرجوع إلى النصوص القطعية ، وحيث إنّها
هامش
( 1 ) . في الصفحة 296 . .
( 2 ) . أي في القسم الثاني والثالث . .