ما دلّ على لزوم رجوع الجاهل إلى العالم وغيرهما . وبهذا البيان ظهر لك اندفاع اشكالين :
[ إشكال بعض الجهلة وجوابه ]
الأوّل : ما يستشكله بعض الجهلة بأنّ الحكم المنزل من السماء إلى النبيّ والمودَع بيده عند الإمام واحد ، فكيف وقع الاختلاف بين نوّابه ، فيحكم هذا بحكم وذاك بخلافه وثالث بخلافهما ؟ « 1 » وقد يؤيّد ذلك بقول مولانا أمير المؤمنين عليه السلام : « ترد على أحدهم القضيّة في حكم من الأحكام ، فيحكم فيها برأيه ، ثمّ ترد تلك القضيّة بعينها على غيره فيحكم فيها بخلاف قوله ، ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الذي استقضاهم ، فيصوّب آراءهم جميعاً ، وإلههم واحد ! ونبيّهم واحد ! وكتابهم واحد ! أفأمرهم اللَّه سبحانه بالاختلاف فأطاعوه ؟ ! أم نهاهم عنه فعصوه ؟ ! أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه ؟ ! أم كانوا شركاء له ، فلهم أن يقولوا ، وعليه أن يرضى ؟ ! أم أنزل اللَّه سبحانه ديناً تامّاً ، فقصّر الرسول صلى الله عليه وآله عن تبليغه وأدائه ؟ ! واللَّه سبحانه يقول : « مَّا فَرَّطْنَا فِى الْكِتبِ مِن شَىْءٍ » « 2 » ، وفيه تبيان لكلّ شيء ، « 3 » وذكر أنّ الكتاب يصدّق بعضه بعضاً ، وأنّه لا اختلاف فيه ، فقال سبحانه : « وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فيهِ اخْتِلافاًكَثيرًا » « 4 » » ، « 5 » إلى آخره .
[ إشكال الأخباريّين وجوابه ]
وأمّا الثاني : فهو ما استشكله الأخباريّون على الفقهاء الاصوليّين من تقبيحهم صدور الفتوى منهم ، وقولهم : إنّ إظهار الرأي والاعتقاد في مسألة من المسائل جرأة على اللَّه تعالى ، وليس لغير النبيّ والإمام المنصوب من قبله إظهار الرأي بأن يقول : هذا رأيي ،
هامش
( 1 ) . راجع : هداية المسترشدين ، ج 3 ، ص 673 - 679 . .
( 2 ) . الأنعام ( 6 ) : 38 . .
( 3 ) . اقتباس من الآية 89 من سورة النحل ( 16 ) . .
( 4 ) . النساء ( 4 ) : 82 . .
( 5 ) . نهج البلاغة ، ص 60 و 61 ، الخطبة 18 . .