تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 298

مساهمون:

ص٢٩٨
وهذا ممّا افتي به ، ثمّ يأمر الناس باتّباعه وتقليده ، وكلّ ذلك باطل وخلاف ما أنزله اللَّه على رسوله ، فهو بدعة ، والبدعة في النار . « 1 » والجواب عن الإشكالين أنّه قد ظهر لك أنّ بيان الأحكام في ناحية الإمام عبارة عن إخباراته عن اللَّه تعالى وعن أحكامه الواقعية المكتوبة في اللوح المحفوظ ، وأمّا النائب المفتي فحيث إنّ الإمام المنصوب غائب ، ولا يمكنه الوصول إلى جميع الأحكام الواقعية بنحو القطع ، فإن اتّفق له الوصول إلى الحكم الواقعي بعد الفحص والاجتهاد فهو مصيب ، وإن لم يتّفق له ذلك - كما يقع كثيراً - فيفتي بما استفاده من ظواهر الأدلّة بظنّ أنّه حكم إلهي واقعي مع احتمال الخطاء أيضاً ، ويطلق عليه الحكم الظاهري ، فالمجتهد الذي أخبر بالحكم الظاهري لا يدّعى أنّه حكم واقعي إلهي واقعي مطابق لما عند اللَّه وعند وليّه ، بل هو يعترف بأنّه لا يستطيع إدراك الواقع ، وألجأته الحاجة إلى تلك الاستفادة والعمل به لنفسه ومراجعيه ؛ إذ لا يجوز عقلًا ترك الأحكام الواقعية بالكلّية اعتذاراً بعدم العلم بها ، كما أنّه لا يمكن ، أو لا يجب الاحتياط التامّ في أطراف محتملاتها ؛ لعدم القدرة ، أو للزوم العسر والحرج المنفيّين قطعاً . وحينئذ فيمكن أن يستفيد المفتي الآخر من ظواهر الأدلّة خلاف ما استفاده الأوّل ، وهكذا النائب الثالث والرابع ، فيقع الاختلاف في الفتاوى ، والجميع معترفون بوحدة الحكم الواقعي وكون الاختلاف في الحكم الظاهري ، وهو ما استفاده ومن الأدلّة ، وزعموه حكماً واقعيّاً . ونتيجة الكلام حينئذ أنّه ليس في كلّ واقعة من أعمال العباد إلّاحكم إلهي واحد ، فإن أدركه الجميع ووصلوا إليه قطعاً فهو ، وإلّاكان غيره حكماً ظاهريّاً لا مناص لهم عن الأخذ به والعمل على طبقه حفظاً للواقع عن الانطماس والاندراس إذا أهملوه رأساً ، وللنفوس عن الوقوع في العسر والحرج المنفيّين شرعاً والموجبين لنفور الناس عن الدين إذا عملوا بالاحتياط التامّ لإدراكه .
هامش
( 1 ) . راجع : الفوائد المدنيّة ، ص 104 و 105 . .
تفسير مبسوط — صفحة 298 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى