الرابعة : كون علم الخلفاء محدوداً معدوداً قليلا جدّاً بحيث قد لا يكفي لرفع حوائج الامّة الإسلاميّة خاصّة في ما إذا تجدّدت الحوائج وحدثت أمور أحوجتهم إلى استنباط حكم جديد من الأدلّة .
وأمّا العدالة فيدلّ على اشتراطها في النائب أمور وليعلم أوّلًا أنّ المراد بالعدالة هنا ليس خصوص ما عرّفه الفقهاء في الفقه في شرائط إمام الجماعة وشاهدي الطلاق وغيرهما بأنّها فعل الواجبات وترك المحرّمات ، أو أنّها ملكة راسخة باعثة على ذينك الأمرين ؛ « 1 » فإنّ ذلك تعريف لها بنحو الإجمال ، ولا يخلو عن إبهام ونقص ، كما يعلم ذلك من إيقاعها أحياناً في مقابل اشتراط الإسلام والإيمان ، وعلى أيّ حال فهي في اللغة عبارة عن الاستقامة والاستواء ، « 2 » والمراد بها في المقام استقامة الإنسان من جهات شتّى :
الأولى : من جهة عقائده الباطنية .
والثانية : من جهة أخلاقه وصفاته النفسية .
والثالثة : من جهة أعماله الجوارحية .
والرابعة : من جهة مراعاته حقوق غيره ؛ فإنّه بعد ما قلنا : إنّ له نوع تسلّط على النفوس والأموال ، فعليه بعدد كلّ رعية من الرعايا وكلّ مال من الأموال المتعلّقة بهم ، حقّ ثابت يجب الوفاء به والخروج عن عهدته ، وهذه هي العمدة في الخليفة المنصوبة والمتولّي لُامور الناس ، وأكثر ما ورد في المقام من الأحاديث ناظر إلى هذه الجهة .
وكيف كان ، فالمستفاد من الأدلّة أنّ العدالة واجب التحصيل بنفسها واستقلالًا على جميع الناس ، مضافاً إلى كونها شرطاً في أمور كثيرة ، منها التصدّي لمقام النيابة . أمّا وجوبها نفساً على الكلّ فلأنّه مقتضى وجوب الإيمان والعمل الصالح كما هو واضح ، مع أنّه يدلّ عليه أيضاً بنحو العموم قوله تعالى :
« وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى وَاتَّقُوا اللَّهَ » « 3 » ؛
هامش
( 1 ) . راجع : مجمع الفائدة والبرهان ، ج 2 ، ص 351 ، وج 12 ، ص 311 ؛ مستند الشيعة ، ج 18 ، ص 145 . .
( 2 ) . راجع : الصحاح ، ج 5 ، ص 1761 ؛ القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 13 ( عدل ) . .
( 3 ) . المائدة ( 5 ) : 8 . .