تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
يقتضي بلزوم نصب النائب على الخليفة بعد غيبته ، كما كان قاضياً بلزوم نصب الخليفة على النبيّ ، ولزوم بعث النبيّ على اللَّه تعالى . ثمّ إنّه لا إشكال في أنّ ذاك الغرض أمر ذو مراتب ؛ فإنّه يكون الغرض تارة بقاء الدين بين الناس بمعنى كونه ميسوراً للأخذ والتعلّم لمن أراد الاهتداء والعمل ، ولازم ذلك تعيين عالم به ، عارف بأصوله وفروعه على نحو يمكن للطالب الوصول إليه والأخذ منه . والاقتصار بهذا الحدّ يكون أحياناً لأجل مراعاة الميسور من الأمر وعدم الاقتضاء في حال المجتمع ، كما إذا اتّفق طول الأمد عن بعث الرسول السابق ، فتسلّط عليهم الهوى ، وغلبت عليهم الجاهلية العمياء ، فلا يمكن تبليغ الدين وإجراء حدوده إلّا بحرب وقتال وقلب الوضع الموجود ظهراً لبطن ، ولما تتأهّل الامّة لذلك . ومن هذا القبيل ما قد ينقل أحياناً من أحوال الأمم الماضية وغلبة الفساد عليهم وصيرورة الحجّة فيهم باطناً مغموراً وخافياً مستوراً ، كزمان الجاهليّة الأولى . ويكون أخرى بلوغ الدين إليهم وكونه معروضاً عليهم بإبلاغ تامّ وإسماع وإفهام وإقامة الحجّة وإتمام البرهان ، مع عدم المصلحة في القيام بالسيف والإكراه على القبول والتسليم ؛ ليهلك من هلك عن بيّنة ، ويحيى من حيّ عن بيّنة ، « 1 » ومرتبة هذا فوق سابقه ، ولازمها تعيين فرد أو أفراد عالمين به ، متصدّين لإبلاغه ، صابرين لإتعاب النفس في سبيل الدعوة إليه ، وكذلك كان بعض الأنبياء الماضين ، فاشتغلوا بنشر الدعوة وإبلاغ الأحكام وإقامة الحجّة بإظهار الآيات والمعاجز ، بل وكان ذلك حال الأئمّة عليهم السلام سوى أمير المؤمنين عليه السلام في أواخر أيّام إمامته ، والحسن عليه السلام في أوائلها . ويكون ثالثة إبلاغ الدين وتعليم الأحكام ثمّ إجراؤها في المجتمع رضوا ، أو كرهوا ، وذلك بتشكيل الحكومة الإلهية والدولة الدينية حتّى يدخل الناس تحت راية واحدة ، ويجتمعوا في نظام خاصّ إلهي ، فيقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ويأمروا
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآية 42 من سورة الأنفال ( 8 ) . .