وجوب بعث الرسل وإنزال الكتب على اللَّه تعالى ، والدليل الذي أقاموه على لزوم تعيين الخليفة على النبيّ بعد ارتحاله .
فإنّه لمّا علمنا أنّ اللَّه خلق عباده ؛ ليعرفوه ويوحّدوه ويعبدوه ، علمنا أنّه يجب عليه لطفاً وعقلًا أن يعرّف لهم نفسه ودينه ، ولا يكون ذلك إلا بإرسال الرسول وإعطاء الكتاب ؛ ليتلوا عليهم آياته ، ويزكّيهم ، ويعلّمهم الكتاب والحكمة ، « 1 » ولو لم يفعل ذلك لكان ناقضاً لغرضه وقائلًا لاغياً وفاعلًا لاهياً ، حيث يقول : « وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ » ، « 2 » وقال : « لَوْ أَرَدْنَآ أَن نَّتَّخِذَ لَهْوًا لَّاتَّخَذْنهُ مِن لَّدُنَّآ إِن كُنَّا فعِلِينَ » « 3 » ، وتعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً .
وكذلك نقول في حق النبيّ صلى الله عليه وآله ؛ فإنّه لو لم يعيّن الخليفة - مع كون غرضه بقاء الدين وهداية المجتمع وإيمانهم وعملهم - لكان هادماً لأساس الدين الذي بناه في المجتمع ببذل وتفدية النفوس وخوض اللجج « 4 » وبذل المهج ، « 5 » فالخليفة من جانب النبيّ الأقدس إذا عرضت عليه الأمانة الإلهية وحمل الكتاب وعلومه ، ووكّل إليه دين اللَّه ، فعليه نصب من يتوكّل عنه في حمل أعباء « 6 » الخلافة وهداية الامّة والعمل بما كان يعمل به ، فالتأمّل التامّ في الغرض العامّ الباعث على تشريع الدين وتقنين القوانين ،
هامش
( 1 ) . اقتباس من الآيات 129 من سورة البقرة ( 2 ) ، و 164 من سورة آل عمران ( 3 ) ، و 2 من سورة الجمعة ( 62 ) . .
( 2 ) . الذاريات ( 51 ) : 56 . .
( 3 ) . الأنبياء ( 21 ) : 17 . .
( 4 ) . الخوض : المشيء في الماء وتحريكه ، واللُجَج : جمع اللُجّة ، وهو من الماء : معظمه ، ولجّة البحر : حيث لا يدركقعره ، أو الماء الكثير الذي لا يرى طرفاه . وخوض اللجج كناية عن ارتكاب المكاره الكثيرة والشدائد العظيمة . راجع : لسان العرب ، ج 2 ، ص 354 ( لجج ) ، وج 7 ، ص 147 ( خوض ) ؛ شرح أصول الكافي للعلّامة المازندراني قدس سره ، ج 2 ، ص 68 . .
( 5 ) . المُهَج : جمع المُهْجه ، وهي مطلق الدم ، أو دم القلب خاصّة ، وقد تطلق على الروح ، وبذل المهج كناية عن ارتكاب التعب والمشقّة الشديدة . راجع : الصحاح ، ج 1 ، ص 342 ( مهج ) ؛ شرح أصول الكافي للعلّامة المازندراني قدس سره ، ج 2 ، 67 . .
( 6 ) . الأعباء : جمع العِبْء بالكسر ، وهو الحِمْل والثقيل من أيّ شيء كان . والمراد هنا العلوم التي أوحي بها إلىالأنبياء عليهم السلام ، أو الصفات المشتركة بين الأنبياء والأوصياء عليهم السلام من العصمة والعلم والشجاعة والسخاوة وأمثالها . راجع : لسان العرب ، ج 1 ، ص 117 ( عبأ ) ؛ مرآة العقول ، ج 6 ، ص 214 . .