يقبلوا دعوة الاعتزال ، فكان من أمرهم ما كان .
7 . وهذا النبيّ الكريم إبراهيم الخليل عليه السلام ، لمّا دعا أباه إلى الإيمان باللَّه وترك عبادة الشيطان فأبى عن ذلك ، - كما حكاه اللَّه تعالى عنه ب قوله : « قَالَ أَرَاغِبٌ أَنتَ عَنْ ءَالِهَتِى يإِبْرَ هِيمُ لَل - ن لَّمْ تَنتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِى مَلِيًّا » « 1 » - ، وعلم إبراهيم بعدم نجح دعوته فيهم ، فيئس من ذلك ، فأخبر أباه وسائر امّته بالاعتزال ، فقال : « وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُواْ رَبّى عَسَى أَلَّآ أَكُونَ بِدُعَآءِ رَبّى شَقِيًّا » « 2 » ، « فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُو إِسْحقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا » « 3 » .
وهؤلاء أصحاب الكهف ، لمّا آمنوا باللَّه وربط اللَّه على قلوبهم قاموا بالدعوة إليه تعالى إلّاأنّه لم يتيسّر لهم إبلاغ التوحيد والقيام التامّ والجهاد حقّه في سبيل التبليغ ، فبنوا على الاعتزال والابتعاد من امّتهم ؛ لعلّ اللَّه يوفّقهم إلى مرضاته ، فقال بعضهم لبعض : « وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُواْ إِلَى الْكَهْفِ يَنشُرْ لَكُمْ رَبُّكُم مّن رَّحْمَتِهِىوَ يُهَيّئْ لَكُم مّنْ أَمْرِكُم مّرْفَقًا » « 4 » ، فترى كيف قبلهم ربّهم ، وأعدّلهم مضجعاً هم في فجوة منه ، « 5 » وهيّأ لهم من أمرهم رَشَداً ، « 6 » وسوف يبعثهم اللَّه عن نومتهم أو موتهم ، ويلحقهم بالإمام العدل المنتظر ؛ ليجاهدوا تحت رايته ، ويكونوا في ظلّ سلطانه ! « 7 » وهذه العزلة لهم تشبه غيبة الإمام عليه السلام في الابتعاد عن طواغيت الزمان ، ثمّ الرجوع إلى الناس والظهور فيهم ؛ لإصلاح حال المجتمع بأحسن إصلاح .
هذا ، وأمّا الدليل على أنّه يجب على اللَّه لطفاً وعليهم لطفاً أو شرعاً نصب الخليفة في زمان اعتزالهم وغيبتهم عن الامّة ، فهو بعينه الدليل الذي أقامه الأصحاب على
هامش
( 1 ) . مريم ( 19 ) : 46 . .
( 2 ) . مريم ( 19 ) : 48 . .
( 3 ) . مريم ( 19 ) : 49 . .
( 4 ) . الكهف ( 18 ) : 16 . .
( 5 ) . الفجوة : المُتَّسَع بين الشيئين ، وما اتّسع من الأرض ، والمعنى : في مُتَّسَع وسعة منه . راجع : لسان العرب ، ج 15 ، ص 148 ( فجا ) . وهذا اقتباس من الآية 17 من سورة الكهف ( 18 ) . .
( 6 ) . اقتباس من الآية 10 من سورة الكهف ( 18 ) . .
( 7 ) . راجع : الإرشاد ، ج 2 ، ص 386 ؛ كشف الغمّة ، ج 2 ، ص 466 ؛ الصراط المستقيم ، ج 2 ، ص 254 . .