بقوله : « يا أيُّها الرَّسُولُ بَلِّغْ ما انْزِلَ إلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإنْ لَمْ تَفْعَلْ فَما بَلَّغْتَ رِسالَتَهُ » ، « 1 » مع أنّه هم القدر المتيقّن بين الفريقين بعد العلم بعدم إرادة الخلفاء الثلاث ؛ لاعتراف الفريقين بعلمهم وتقواهم وفضلهم وعلوّ مقامهم ، مع أنّه لم يدّع مقام الولاية غيرهم ، ولم يأت بالمعجزات الكثيرة سواهم .
[ قول علماء أهل السنّة في آية « اولي الأمر » ونقده ]
وأمّا ما ذهب [ إليه ] « 2 » عدّة من علماء أهل السنّة ، من أنّ « 3 » المراد بالآية إيجاب طاعة كلّ من يصدق عليه عرفاً أنّه من اولي الأمر إلّاأنّه مقيّد بعدم مخالفة أمره أمر اللَّه وطاعته طاعة اللَّه ، أو في ما إذا أمر به ، ونهى عمّا نهى اللَّه عنه ؛ إذ لا طاعة للمخلوق في معصية الخالق ، « 4 » فهو كلام فاسد ؛ إذ لا يختصّ ذلك حينئذ باولي الأمر ، بل يجب طاعة كلّ مؤمن ومؤمنة إذا أمروا بما أمر اللَّه به ، ونهوا عمّا نهى اللَّه عنه .
مع أنّ القول بأنّ اللَّه أوجب طاعة كلّ من تصدّى لمقام السلطنة على الناس ، وجاز أريكتها ، « 5 » وتسنّى « 6 » له الركوب على أعناقهم ، وإن كان ذلك بقتل النفوس وإتلاف الأموال وارتكاب أنواع الظلم والجور ، وإن فرضنا ذلك في غير موارد عصيان اللَّه ، بل في ما كان مباحاً بالذات قبل تعلّق أمره أو نهيه ، أمر لا يوافق روح الإسلام وحريّة قوانين الدين وشدّة وقوع النكير فيها على الظالمين والجائرين والفاسقين والحثّ الأكيد على الإعراض عنهم واجتناب طاعتهم والنهي الشديد عن إطاعة أمر المسرفين والمفسدين ، الشامل بإطلاقه لأغلب موارد طاعتهم .
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 67 . .
( 2 ) . ما بين المعقوفين أضفناه لمقتضى السياق . .
( 3 ) . في الأصل : « بأنّ » ، والصحيح ما أثبتناه . .
( 4 ) . راجع : الكشف والبيان ، ج 3 ، ص 335 ؛ الكشّاف ، ج 1 ، ص 534 ؛ أنوار التنزيل ، ج 2 ، ص 80 ، ذيل الآية 59 منسورة النساء ( 4 ) . .
( 5 ) . الأريكة : سرير منجَّد مزيَّن في قبّة أو بيت ، فإذا لم يكن فيه سرير فهو حَجَلةٌ . وقيل غير ذلك . راجع : لسانالعرب ، ج 10 ، ص 390 ( أرك ) . .
( 6 ) . يقال : تسنّى لي كذا ، أي تيسّر وتأتّى . لسان العرب ، ج 14 ، ص 404 ( سنا ) . .