الآية أنّه لا إشكال في أنّ للمؤمن - بما أنّه إنسان ذو عقل واختيار - ولاية على نفسه ، يتصرّف فيها كيف يشاء ، فيمضى ما تشتهيه من المحابّ ، وينفذ ما تريده من الأفعال ، وولاية النبيّ عليه أقوى وأرجح من ولايته على نفسه بحيث يلزمه أن يقدّم ما أحبّه على ما أحبّته نفسه وما أراده على ما أرادته نفسه ، فتدلّ الآية الشريفة بالمطابقة على المدّعى ، وهو ولاية النبيّ على النفوس .
ثمّ إنّه إذا ثبت الولاية التشريعية للنبيّ الأعظم ، فهي تثبت لا محالة للإمام بعده بأخبار كثيرة متظافرة « 1 » عن أهل البيت عليهم السلام ، ومنها الحديث المتواتر بين الفريقين « من كنت مولاه فعليّ مولاه » « 2 » بالنسبة إلى أمير المؤمنين عليه السلام .
الثاني : قوله تعالى : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُو أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » « 3 » ، بتقريب أنّ المراد بالأمر هنا الأمور المرتبطة بالأشخاص بأنفسهم أو باجتماعهم ، لاالأحكام الشرعية المتعلّقة بهم ، وذلك بقرينة إضافة الأمر إليهم ؛ فإنّ الأحكام الكلّية الإلهية لا يصدق عليها أنّها أمرهم وفعلهم ، بل هي أمر اللَّه تعالى وفعله ، وكذا بقرينة ذكر الرسول ؛ فإنّه لو كان المراد به الأحكام الشرعية لم تكن لأحد بعد قضائه الخيرة ، سواء في ذلك الرسول وغيره .
فمحصّل معنى الآية أنّه إذا حتم اللَّه ورسوله فعلًا من الأفعال يتعلّق بالمؤمنين كلًا أو بعضاً ، وألزمهم بذلك ، كأن أمرهم بالخروج إلى الحرب ، أو بالتوطنّ في مدينة معيّنة ، أو بأن يطلّقوا أزواجهم ، أو ينفقوا من أموالهم في سبيل خاصّ ، لم تكن لهم خيرة بعد ذلك ، بل يجب عليهم التسليم والانقياد والطاعة والعمل ، وهذا المعنى من آثار الولاية التشريعية ، فتدلّ الآية بالدلالة الالتزامية على الولاية التشريعية للنبيّ ، وتتمّ في الإمام بضميمة ما ذكرناه من الأدلّة وبعدم القول بالفصل من علماء التشيّع ، بل القول بعدم الفصل في ذلك .
هامش
( 1 ) . قد تقدّمت الروايات العديدة في ذلك في الصفحة 191 وما بعدها ، ونحن خرّجناها من مصادر عديدة ، إن شئتفراجع هناك . .
( 2 ) . خرّجناه من مصادر عديدة من الفريقين في الصفحة 194 . .
( 3 ) . الأحزاب ( 33 ) : 36 . .