وقال عليه السلام :
« وإن شئت ثلّثت بداود - صلّى اللَّه عليه - صاحب المزامير ، « 1 » وقارئ أهل الجنّة ، فلقد كان يعمل سفائف « 2 » الخوص « 3 » بيده ، ويقول لجسائه : أيّكم يكفيني بيعها ، ويأكل قرص الشعير من ثمنها » .
« 4 » وعن النبيّ ، قال لابن مسعود :
« وإن شئت نبّأتك بأمر سليمان عليه السلام ، لما « 5 » كان فيه من الملك ، كان يأكل الشعير ، ويطعم الناس الحواري ، « 6 » وكان لباسه الشعر ، وكان إذا جنّه الليل شدّ يده إلى عنقه ، فلا يزال قائماً يصلّي حتّى يصبح ، وإن شئت نبّأتك بإبراهيم خليل الرحمان عليه السلام ، كان لباسه الصوف وطعامه الشعير » .
« 7 » ورابعاً : قول عليّ عليه السلام لعاصم بن زياد لمّا لبس العباءة وتخلّى عن الدنيا : « يا عُدَيَّ نفسه ! لقد استهام بك الخبيث ، « 8 » أما رحمت أهلك وولدك ؟ ! أترى أنّ « 9 » اللَّه أحلّ لك الطيّبات ، وهو يكره أن تأخذها ؟ ! أنت أهون على اللَّه من ذلك » ، « 10 » قال : يا أمير
هامش
( 1 ) . المزامير : جمع المِزْمار ، وهي الآلة التي يرمز بها ، أي يغنّى بها بالنفخ فيها ، شُبّه حسن صوت داود النبيّ - على نبيّنا وآله وعليه السلام - وحلاوة نغمته بصوت المزمار ، وإليه المنتهى في حسن الصوت بالقراءة . راجع : النهاية ، ج 2 ، ص 312 ( زمر ) . .
( 2 ) . السفائف : جمع سفيفة ، وهي النسيجة . لسان العرب ، ج 9 ، ص 153 ( سفف ) . .
( 3 ) . الخوص : ورق النخل ، الواحدة : خوصة . المصباح المنير ، ص 183 ( خوص ) . .
( 4 ) . نهج البلاغة ، ص 227 ، الخطبة 160 . .
( 5 ) . في المصادر : « مع ما » . .
( 6 ) . الحُوّارى ، بضمّ وتشديد الواو وفتح الراء : الدقيق الأبيض ، وهو لباب الدقيق وأجوده وأخلصه . وقالالجوهري : هو ما حوّر من الطعام ، أي بيّض . راجع : الصحاح ، ج 2 ، ص 640 ؛ لسان العرب ، ج 4 ، ص 220 ( حور ) . .
( 7 ) . مكارم الأخلاق ، ج 448 . وعنه في بحار الأنوار ، ج 74 ، ص 95 ، ح 1 ، ومستدرك الوسائل ، ج 16 ، ص 334 ، ح 20066 . .
( 8 ) . قال ابن أبي الحديد : « واستهام بك الخبيث ؛ يعني الشيطان ، أي جعلك هائماً ضالًاّ ، والباء زائدة » .
أقول : الهائم : المتحيّر ، وقلب مستهام ، أي هائم . راجع : شرح نهج البلاغة ، ج 11 ، ص 32 ، ذيل الكلام ( 201 ) ؛ لسان العرب ، ج 12 ، ص 626 ( هيم ) . .
( 9 ) . في المصدر : - « أنّ » . .
( 10 ) . في شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد ، ج 11 ، ص 32 ، ذيل الكلام ( 202 ) : « فإن قيل : ما معنى قوله عليه السلام : أنتأهون على اللَّه من ذلك ؟ قلت : لأنّ في المشاهد قد يحلّ الواحد منّا لصاحبه فعلًا مخصوصاً محاباة ومراقبة له ، وهو يكره أن يفعله ، والبشر أهون على اللَّه تعالى من أن يحلّ لهم أمراً مجاملة واستصلاحاً للحال معهم ، وهو يكره منهم فعله » . .