« وَلَاتَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِى أَزْوَ جًا مّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَوةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى » « 1 » ، ويقرب منها الآية 88 من الحجر ( 65 ) ، « 2 » ومدّ العين نحو الشيء معلوم ، وهو هنا كناية عن الحبّ والميل ، والمراد ب « ما مَتَّعْنا » نوع المتاع لا شخصه ، فالمراد :
لا تكن ممّن يطلب الانتفاع بزهرة الحياة ، كما هو حال أعدائك من الكفّار .
وحاصل الجمع أنّ اللَّه أعطاهم الأموال الكثيرة ، كما منحهم الجاه العظيم والمقام الرفيع ، ومنعهم عن إكثار التمتّع بها والحرص عليها والولع بها ، وهو معنى الزهد .
وثالثاً : ما وصل إلينا بالتواتر وإخبار الكتاب العزيز من حالات النبيّين والمرسلين وأوصيائهم عليهم السلام ، فإنّها تدلّ على كمال مواظبتهم على الإعراض عن الدنيا وعدم الرغبة فيها والتجنّب عن الركون إليها والاستلذاذ بأمتعتها ، فعن مولانا أمير المؤمنين عليه السلام قال :
« فتأسّ بنبيّك الأطيب الأطهر صلى الله عليه وآله . . . قضم الدنيا قضماً ، ولم يُعِرها طرْفاً ، أقضم « 3 » أهل الدنيا كشحاً « 4 » ، وأخمصهم من الدنيا بطناً ، عُرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها ، وعلم أنّ اللَّه سبحانه أبغض شيئاً فأبغضه ، وحقّر شيئاً فحقّره ، وصغّر شيئاً فصغّره » . « 5 »
القضم : أخذ الشيء بأطراف الأسنان وأكله ، « 6 » وهو كناية عن قلّة المأخوذ ، وقد عبر عليه السلام عن فعل النبيّ صلى الله عليه وآله بالقضم ، وعن فعل عثمان في الخطبة الشقشقية بالخضم ، قال :
« يخضمون مال اللَّه خضم « 7 » الإبل نبتة الربيع »
، « 8 » والخضم ضدّ القضم ، وهو الأكل بملاء الفم . « 9 »
هامش
( 1 ) . طه ( 20 ) : 131 . .
( 2 ) . وهي قوله تعالى : « لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إلى ما مَتَّعْنا بِهِ أزْواجاً مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنينَ » . .
( 3 ) . في المصدر : « أهضم » . .
( 4 ) . قال ابن أبي الحديد : « قوله : أهضم أهل الدنيا كشحاً ، الكشح : الخاصرة ، ورجل أهضم بيّن الهضم ، إذا كانخميصاً لقلّة الأكل » . شرح نهج البلاغة ، ج 9 ، ص 234 ، ذيل الخطبة 161 . .
( 5 ) . نهج البلاغة ، ص 227 و 228 . .
( 6 ) . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 487 ( قضم ) . .
( 7 ) . في الأصل : « خضمة » . .
( 8 ) . نهج البلاغة ، ص 49 ، الخطبة 3 . .
( 9 ) . وقيل غير ذلك . راجع : لسان العرب ، ج 12 ، ص 183 ( خضم ) . .