الظاهر أنّه ليس له معنى اصطلاحي شرعي أو متشرّعي ، فهو مستعمل في معناه اللغوي ، وهو الرغبة عن الشيء وتركه ، « 1 » ويتوقّف اتّصاف معناه بالحسن والقبح على ملاحظة حال متعلّقه ، ولا إشكال في كون متعلّقه الدنيا ، فالشرط المبحوث عنه في المقام الزهد عن الدنيا ، فاللازم في المقام معرفة معنى الدنيا ، وهي - على ما يستفاد من السبر في الآيات والسنّة « 2 » - على معان ، أشهرها أنّها انتفاع الإنسان بهذه الأرض وما عليها واستمتاعه بقواه المختلفة في هذا العالم ، وهذه الانتفاعات على أقسام ثلاثة :
الانتفاعات المحرّمة الممنوعة شرعاً ، والمباحة الجائزة ، والواجبة اللازمة ، أي ما كان بقدر الحاجة والضرورة من حلالها .
وحينئذ فنقول : إنّ ترك القسم الأوّل في الدنيا والإعراض عنه زهادة بمرتبتها الناقصة ، وترك الأوّل والثاني زهادة بمرتبتها الكاملة .
ثمّ إنّ الدرجة الأولى من الزهد وظيفة أخلاقية عملية لازمة المراعاة لكلّ مؤمن ، فهي من شرائط الإيمان ، أو كماله .
وأمّا الدرجة الثانية فهي التي ادّعينا كونها شرطاً في إمام الامّة وخليفة المسلمين ، فحقيقة هذا الشرط عدم اعتنائه بشأن الدنيا ورغبته عنها وعن الاشتغال بالترفّه والتنعّم ، لا عدم وجودها عنده وترك تحصيلها من حيث أمره اللَّه وصرفها في ما عيّنه ، كيف وقد جعل اللَّه له حقوقاً في أموال الناس ، ومنحه خمس الغنائم ، ووهبه الأنفال ؟
وله غير ذلك من الإفادات ، فتحصيلها وجبايتها « 3 » وجعله تحت يده ، أو في ملكه أمر ، والزهد عنها أمر آخر ، والأوّل مأمور به ، والثاني منهيّ عنه ، فتكون نتيجة تحقّق الأمرين في الإمام أن تصرفها في مصارفها المعيّنة المقصودة وإجرائها في مجاريها ؛
هامش
( 1 ) . راجع : الصحاح ، ج 2 ، ص 481 ( زهد ) . .
( 2 ) . السبر في الآيات والسنّة : التتبّع فيها بدقّة والنظر فيها بأدقّ النظر ، من السبر ، وهو استخراج كنه الأمر . راجع : لسان العرب ، ج 4 ، ص 340 ( سبر ) . .
( 3 ) . الجباية : الجمع ، يقال : جبى الخراج والماء والحوض ، يجباه ويجبيه جباية ، أي جمعه . راجع : القاموس المحيط ، ج 4 ، ص 310 ( جبي ) . .