وفي نهج البلاغة : « ولا يحمل هذا العلم إلّاأهل البصيرة « 1 » والصبر والعلم بمواضع الحقّ ، فامضوا لما تؤمرون ، « 2 » وقفوا عندما تنهون عنه » . « 3 » وقال أيضاً : « أيّها الناس إنّ أحقّ الناس بهذا الأمر أقواهم عليه وأعلمهم بأمر اللَّه فيه » ، « 4 » والمراد بهذا الأمر أمر الولاية على الامّة والخلافة الإلهية بتعيين الرسول .
وفي النهج ، في كتابه إلى الأشتر النخعي رحمه الله : « إنّي وجّهتك إلى بلاد قد جرت عليها دول قبلك من عدل وجور » ، « 5 » إلى أن ذكر عليه السلام في الكتاب ما يدلّ على وفور علمه في تدبير الأمور وكمال إشرافه على الأوضاع وتسلّطه على شؤون السياسة والرئاسة .
وهذا القسم من العلم هو الأهّم اللازم معرفته لمن أراد الاطّلاع على شروط الخلافة وأوصاف الإمام ، وهو العلم النافع بحال الامّة والمناسب لحال زعيمها ومدبّر أمورها والمتصدّي لنظمها وإصلاح حالها ، لا ما يذكر في بعض الكتب ، أو في ما بين الناس من أنّ الإمام هل يعرف عدد الشوك والشجر ، أو الحجر والمَدَر ، « 6 » أو الشعر والوَبَر ؟ « 7 » أو أنّه هل يعلم عدد شعر رأس كلّ أحد عند ملاقاته ، أو عدد الطُوب « 8 » المصروف في كلّ بناء إذا أراد الدخول فيه ؟ ونحو ذلك .
[ زهده عن الدنيا ]
الشرط الخامس : زهده عن الدنيا ، وليعلم أنّ في معنى الزهد خفاء ، فقد يتخيّل أنّه ترك الدنيا والاشتغال بالعبادة مثلًا ، لكنّ الظاهر أنّه ليس المراد بها ترك تحصيل الدنيا من جاهها ومالها وأمتعتها وملاذّها ، أو الإعراض عمّا كان منها حاصلًا موجوداً وإتلافه
هامش
( 1 ) . في المصدر : « البصر » . .
( 2 ) . في المصدر : « به » . .
( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 248 ، الخطبة 173 . .
( 4 ) . المصدر ، ص 247 و 348 . .
( 5 ) . المصدر ، ص 427 ، الكتاب 53 . .
( 6 ) . المَدَر : جمع مَدَرة ، وهو التراب المتلبّد ، وبعضهم يقول : الطين العِلْك الذي لا يخالطه رمل ، والعرب تسمّيالقرية مدرة ؛ لأنّ بنيانها غالباً من المدر . المصباح المنير ، ص 566 ( مدر ) . .
( 7 ) . الوبر للإبل وغيره كالصفوف للغنم . النهاية ، ج 5 ، ص 145 ( وبر ) . .
( 8 ) . الطُوب : الآجرّ بلغة أهل مصر . الصحاح ، ج 1 ، ص 173 ( طيب ) . .