ولا يخفى عليك أنّ الرجل المعترض لعليّ بن الحسين عليهما السلام - سواء أكان هو الزهري المعروف الذي كان من عمّال بني اميّة ، كما في بعض الروايات ، « 1 » أو عبّاد بن كثير البصري عابد أهل البصرة والصوفي العامي المرائي ، كما في هذه الرواية - لم يكن يدعو الإمام عليه السلام إلّاإلى الجهاد مع الكفّار تحت راية بني اميّة وقبول خلافتهم وولايتهم على الامّة الإسلاميّة وتصديقهم لأمر الجهاد الابتدائي ، فأراد الإمام أن ينبّهه على أمر هامّ من الشروط الركنية لمتصدّي أمر الجهاد ، فظهر أنّ الإمام في مقام بيان أوصاف خليفة المسلمين ، أو من نصبه الخليفة للجهاد ، والأوصاف المذكورة على النحو الكامل لا يكون إلّافي الإمام العدل المنصوب .
وحينئذ فقوله تعالى : « وَالْحفِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ » « 2 » بيان للشرط الرابع الذي ذكرناه ، وفي تفسير علي بن إبراهيم قال : نزلت في الأئمّة . « 3 » والمراد بالحدود هنا أحكام الأفعال الأوّلية الاستقلالية والحدود والتعزيرات الجزائية ، وتوضيح ذلك أنّه ورد في عدّة روايات معتبرة أنّ النبيّ صلى الله عليه وآله قال :
« إنّ اللَّه قد جعل لكلّ شيء حدّاً ، وجعل لمن تعدّي ذلك الحدّ حدّاً » ،
« 4 » والشيء هنا عبارة عن الأفعال القلبية والجوارحية الصادرة من كلّ إنسان ، سواء أكان الفعل مستقلًاّ غير متعدّ من صاحبه إلى غيره ، كالوضوء والصلاة والصيام والحجّ ونحوها ، أم كان متعدّياً إلى الغير وله مساس به ، كالإطعام والإكساء والزكاة والجهاد والولاية والنكاح والطلاقو غيرها ، فلكلّ منها حدّ ، أي حكم مجعول من قبل اللَّه تعالى ، فهنا حدّ إلهي مجعول بالاستقلال ولنفسها ، وحدّ إلهي مجعول لحفظ ذاك الحدّ ، فيكون حفظ الحدود
هامش
( 1 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 306 ، ذيل الآية 112 من سورة التوبة . .
( 2 ) . التوبة ( 9 ) : 112 . .
( 3 ) . في المصدر : « ولا يجوز أن يكون بهذه الصفة غير الأئمّة عليهم السلام » ، ثمّ ذكر الرواية . راجع : تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 306 ، ذيل الآية الشريفة . .
( 4 ) . الكافي ، ج 7 ، ص 176 ، باب التحديد ، ح 12 ؛ الفقيه ، ج 4 ، ص 25 ، ح 4992 ؛ وسائل الشيعة ، ج 28 ، ص 14 ، الباب 2 من أبواب مقدّمات الحدود وأحكامه العامّة ، ح 1 ، مع تفاوت يسير في غير الأخير . .