أنّها لا يتحقّق إلّابإمام عادل ، فلابدّ أن يراد بالعدالة هنا المصونية عن جميع أقسام الاعوجاج والانحراف ، سواء أكان في مرحلة أخذ الشريعة وتلقّيها من المبدأ الأعلى ، أم في مرحلة إبلاغها إلى الناس ، أم في العمل بنفسه بها ، وسواء أكان بنحو العمد أم الخطأ والاشتباه ، وهذا المعنى هو الذي يسمّى في علم الكلام بالعصمة ، وهو الذي يحكم به العقل ، ويؤيّده النقل .
أمّا العقل فلحكمه الباتّ القاطع بأنّه لو كذب الوسيلة الرابطة بين الخالق وخلقه في الأحكام ، فأخبر بوجوب ما حرّمه اللَّه ، أو حرمة ما أوجبه اللَّه ، أو أخبر بخلاف الواقع خطأ أو نسياناً ، يترتّب عليه مفسدة عظيمة وضرر كبير بانحراف النفوس عن الحقّ ووقوعهم في المفاسد أو فوت المصالح الملزمة عنهم ، ولا يليق هذا لمن عيّنه إلا له العدل ، وإلّالزم إمّا عجزه ، أو جهله ، وتعالى اللَّه عن ذلك علوّاً كبيراً ، فالعدالة بالمعنى الذي ذكرناه مع ملاحظة حكمة الشرع عقليّ بلا ترديد .
ويدلّ عليها في الجملة قوله تعالى : « علِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِى أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُو يَسْلُكُ مِنم بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِى رَصَدًا لّيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُواْ رِسلتِ رَبّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَىْءٍ عَدَدَما » « 1 » ؛ فإنّ الظاهر أنّ المراد بالرسول هنا هو النبيّ المبعوث على الامّة ، والرصد « 2 » : الحرس « 3 » الموكّلون عليه من الملائكة ؛ ليحفظوه عن الخطأ والغفلة والنسيان وغيرها في مقام أخذ الأحكام من اللَّه ومقام تبليغها إلى الناس ، فهذه الآية تدلّ على عصمة الأنبياء في الأحكام ، وتشمل الإمام ملاكاً وإن لم يشملها لفظاً . وأمّا العصمة في العمل فهي أيضاً ممّا يدلّ عليه العقل لقضاء الوجدان بأنّ من لم يعمل على طبق ما أمر ، أو نهى ، لم يكن أمره ونهيه مؤثّراً نافذاً ، وأنّ معصيته يسقطه
هامش
( 1 ) . الجنّ ( 72 ) : 26 - 28 . .
( 2 ) . الرصد بالتحريك : جمع راصد ، وهو المراقب للشيء . الصحاح ، ج 2 ، ص 474 ( رصد ) . .
( 3 ) . الحرس بالتحريك : جمع حارس ، وهو الحافظ ، مثل حذم جمع خادم . والحرس : حرس السلطان ، وهم الذين يرتّبون لحفظه وحراسته . تاج العروس ، ج 8 ، ص 238 ( حرس ) . .