طاعة الامّة والانقياد له والأخذ منه أمر آخر ، والكلام فعلًا في إثبات أنّ اللَّه قد أنجز ما هو مقتضى إحسانه وإنعامه ، ونصب من يجب نصبه وتعيينه ، فأعلن برهانه ، وبلّغ حجّته .
وأمّا رجوع الناس إليهم فهو ممّا أمرهم به ، وحثّهم عليه ، لكنّه موكول إلى اختيار الناس ، ولا إكراه في ذلك ولا إجبار ، فمسألة إتمام الحجّة على الخلق ولزوم تحقّقه من ناحية اللَّه تعالى بنصب الإمام العدل على الأمم بحيث يلزم من الإخلال به صدور القبيح من الحكيم تعالى ، هي المبحوث عنها في المقام ، وهي المدّعى ثبوتها وتحقّقها من قبل اللَّه .
وأمّا مسألة أنّه هل تحقّق رجوع الخلق إلى المنصوب من قبله ، أو أنّه هل يجب على اللَّه أن يجبرهم على الطاعة ، أم لا يجب ؟ فهي أمر لسنا بصدد بيانه ، مع أنّه من الواضح عدم تحقّق كلا الأمرين .
[ لزوم تعيين الخليفة حفظاً للشريعة والدين من قبل اللَّه تعالى ]
السادس : أنّه لا إشكال في أنّ اللَّه - تعالى شأنه - شرع لكلّ قوم وامّة من أوّل أزمنة استعدادهم لتحمّل الدين والشريعة واقتضاء حالهم ذلك ديناً وشريعة يشتمل على أصول اعتقادية وفروع عملية ومناهج أخلاقية ، نظمها وشرعها عن علم بحال عباده وإحاطة بصلاحهم وفسادهم ، فأوجب ما حسن إيجابه ، وحرّم ما صلح تحريمه .
ثمّ أنزلها على أنبيائه عصراً بعد عصر وبرهة بعد برهة إلى أن انتهى الأمر إلى شريعة محمّد صلى الله عليه وآله ، فأنزلها إليه في مدّة معيّنة ، وهي الوقت الفاصل بين مبعثه ورحلته ، فأمره بإبلاغها إلى الناس فبلّغ ما أمر به ربّه ، وأتعب في ذلك نفسه الزكية ، وتحمّل في طريقة الجهد الجهيد ، وجاهد في إبلاغه إلى العباد حقّ الجهاد ، وأضحى في سبيله بنفسه وأسرته ونفوس قوم من المؤمنين حتّى أشاد بنيانه ، وأوضح برهانه ، وأسّس أساسه ، وأوقد نبراسه ، فبلّغ رسالات ربّه كما أمره لا متوانياً ولا مقصّراً .
ثمّ إنّه قد أخبر مراراً بأنّ دينه وشرعه شريعة إلهية عالمية خاتمة الشرايع ، قيّمة لا تنسخ ، باقية لا تزول ، تستمر إلى يوم القيامة ، جاء بها من عند اللَّه للخلق كلّهم ، أبيضهم