ويدلّ على ذلك ظاهر قوله تعالى : « وَقالُوا لَوْلَا نُزّلَ هذَا الْقُرْءَانُ عَلَى رَجُلٍ مّنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِى الْحَيَوةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجتٍ لّيَتَّخِذَ بَعْضُهُم بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبّكَ خَيْرٌ مّمَّا يَجْمَعُونَ » « 1 » .
فالنبوّة رحمة من عند اللَّه على خلقه ونعمة من نعمه ، وكأنّهم أرادوا أن يكون قسمتها بأيديهم وباختيارهم ؛ ليمنحوها لأحد رجلين من القريتين : الوليد بن المغيرة من مكّة ، وأبي مسعود الثقفي من الطائف ، فأخبر اللَّه تعالى بأنّ الناس ليس لهم أمر بعد مشيّة اللَّه تعالى ، كيف ولم يجعل قسمة أرزاقهم بأيديهم ، بل اللَّه تعالى قسمها بينهم ؟ فكيف بمقام النبوّة والإمامة ؟ ! فهي أمر إلهي لا تنالها عقولهم وأحلامهم ، ولا تصل إليها أيديهم ، كما قال تعالى : « وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَآءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ » « 2 » ، وقال تعالى : « وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَامُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُو أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ » « 3 » .
وفي حديث سعد بن عبداللَّه القمّيّ قال : سألت القائم عليه السلام وهو في حجر أبيه ، ف قلت : أخبرني يا مولاي عن العلّة التي تمنع القوم من اختيار إمام لأنفسهم ، قال : « مصلح أو مفسد ؟ » ، قلت : مصلح ، قال : « هل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحد ما يخطر ببال غيره من صلاح أو فساد ؟ » ، قلت : بلى ، قال : فهي العلّة ، أيّدتها لك ببرهان ، يقبل ذلك عقلك » ، قلت : نعم .
قال عليه السلام :
« أخبرني عن الرسل الذين اصطفاهم اللَّه ، وأنزل عليهم الكتب ، وأيّدهم بالوحي والعصمة ؛ إذ هم أعلام الأمم وأهدى أن لو ثبت الاختيار ، ومنهم موسى وعيسى ، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما ؛ إذا هما بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق ، وهما يظنّان أنّه مؤمن ؟ » .
قلت : لا ، قال : « فهذا موسى كليم اللَّه مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي
هامش
( 1 ) . الزخرف ( 43 ) : 31 و 32 . .
( 2 ) . القصص ( 28 ) : 68 . .
( 3 ) . الأحزاب ( 33 ) : 36 . .