تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 217

مساهمون:

ص٢١٧
الأحكام الإلهيّة مطلقاً من الأصولية والفرعية والتكليفية والوضعية وغيرها ، ولا شورى في إتيان صلاة أو حجّ وترك الربا وشرب الخمر ونحو ذلك ، فمحلّها الموضوعات الخارجية التي لا حكم إلزامي لها ، كشراء دار وإحياء أرض ونحو ذلك . ويكفي في ذلك قوله تعالى : « وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ » « 1 » ، فالآية حاثّة على أمر دنيوي عقلائي حثّاً غير إيجابي ، وإيكالًا لشؤونه على الناس ، كما يظهر من جعلها في عداد عدّة أمور واجبة ومندوبة ، فوصف المؤمنين بأنّهم يتوكّلون على ربّهم ، ويجتنبون كبائر الإثم والفواحش ، ويغفرون عند الغضب ، ويستجيبون لربّهم ، ويقيمون الصلاة ، وأمرهم شورى بينهم ، وينفقون ممّا رزقناهم ، وينتصرون عندما بغي عليهم ، « 2 » فالتوكّل فضيلة خلقية ، والغفران عند الغضب في ما إذا كان له الانتقام غير واجب ، والاستجابة للَّه‌في المندوبات مندوبة ، والإنفاق في غير موارد وجوبه مستحبّ ، والانتصار في طلب الحقّ لنفسه سائغ غير واجب ، فالشورى أيضاً كذلك .

[ سرّ افتراق أهل السنّة إلى المذاهب الأربعة ]

ثمّ إنّ هنا أمراً آخر لا يخلو عن ارتباط بالمقام ، وهو أنّه ما هو السرّ في افتراق أهل السنّة إلى مذاهب أربعة ولزوم عمل جميع علمائهم - فضلًا عن عوامّ المذاهب - بفتيا الأئمّة الأربعة المعروفة وتركهم الاجتهاد بأنفسهم في أحكامهم الدينية ؟ ! فهل كانت تلك الأئمّة ولاة الامّة وخلائف النبيّ الأعظم من قبل اللَّه تعالى ، مع أنّهم نفوا ذلك في حقّ الخلفاء الراشدين ؟ ! ولماذا حكموا بانسداد باب الاجتهاد في حقّ غيرهم ، ولزمهم التقليد عنهم ؟ ! وينقل أنّ الحسين بن عبداللَّه البخاري المشتهر بابن سينا ، أتمّ جميع العلوم وقد مضى من عمره أربعة عشر سنة ، وكان يفتي بفتيا أبي حنيفة . « 3 » وأيضاً إنّهم يدّعون أنّ الفرقة الناجية من الفرق الثلاث والسبعين هي أهل السنّة و
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 37 . . ( 2 ) . ما ذكر من الأوصاف جاء ضمن الآيات 36 - 39 من سورة الشورى ( 42 ) . . ( 3 ) . الكنى والألقاب ، ج 1 ، ص 321 ؛ أعيان الشيعة ، ج 6 ، ص 72 . .