وأمّا الوجه الثاني فهو دعوى غير ثابت ، لا ندري من أين علمه صاحب المنار ؟ ! وهل هو إلهام غيبيّ ، أو اتّكل على بعض كلمات أهل التاريخ ممّن يجرّ النار إلى قرصه ، أو أنّه نشأ من الاعتقاد بالخلافة ، فأثبت بالآثار الناشئة عن اعتقاده بها ، لا بدليل خارج يوجب العلم والإذعان لمن لم يسبق له الاعتقاد ؟ ! فأدلّته ظنون للمعتقد ، لا براهين للمنكر الطالب للدليل .
وبالجملة لم تكن خلافة عمر بالشورى قطعاً كما اعترف به جلّ القوم .
[ ردّ كون خلافة عثمان بالشورى ]
وأمّا خلافة عثمان فالشورى التي أمر بها الثاني وانعقدت بأمره ليست هي التي أمضاها الإسلام ، وليست جامعة لشرائط الشورى .
أمّا أوّلًا : فلقلّة عددهم عن حدّ النصاب اللازم ولو بحسب اقتضاء ذلك العصر ؛ فإنّ جميع أهل الحلّ والعقد لم تكن الستّة الحاضرين للشورى ، مع أنّهم قد اختلفوا في انتخاب الخليفة ، ولم يقع انتخاب عثمان من بينهم إلّابرضا واحد منهم ، وهو عبد الرحمان ، أو هو وسعد ، قال عليّ عليه السلام في الخطبة المعروفة بالشقشقية : « فصغا « 1 » رجل منهم لضغنه ، « 2 » ومال الآخر لصهره ، مع هنٍ وهنٍ » . « 3 » وأمّا ثانياً فقد صرّح نفس الآمر بالشورى بعدم أهليّتهم للخلافة ، وذكر لكلّ واحد منهم عيباً ونقصاً ، فهم كانوا غير لائقين وإن كان أمرهم ثانياً بأن يجتمعوا وينتخبوا أحداً من بينهم للخلافة ، وأمر بقتل جميعهم إن لم يفعلوا ما أمرهم ، ولست أدري كيف يمكن حلّ هذه العويصة ؟ ! وكيف جاز له الأمر بقتل ستّة من كبار الامّة وفيهم عليّ بن أبي طالب ؟ ! وهل يسوغ الأمر به ؟ أو هل يجوز لأحد إجراء هذا الأمر ؟
فقد نقل ابن أبي الحديد عن السيّد المرتضى « 4 » بطريق أهل السنّة ، عن ابن عبّاس أنّه
هامش
( 1 ) . « فصغا » ، أي مال ، أو مال على أحد شقّيه ، أو انحنى في قوسه . راجع : لسان العرب ، ج 14 ، ص 461 ( صغا ) . .
( 2 ) . الضِغْن : الحدق ، والعداوة ، والبغضاء . النهاية ، ج 3 ، ص 91 ( ضغن ) . .
( 3 ) . نهج البلاغة ، ص 49 . .
( 4 ) . نقله السيّد المرتضى قدس سره في الشافي ، ج 4 ، ص 203 . .