فلماذا لم يرد فيه نصّ من آية أو رواية مع كونها أمراً عظيماً لازم المراعاة ، جديراً بأن يعتنى به ، وينظر في شأنه ، ويستحكم بنيانه ، ويقام برهانه ، وهو كالأساس من الدين والركن من البنيان ؟ ! فهل يحتمل المؤمن المنصف أن لايهتمّ صاحب الشرع بهذا النحو من الحكم ، ولم يشرّع أصله ، ولم يبيّن فروعه ، ولم يسدّ خلله ، وألقى أمره على عاتق الامّة لتصنع فيه ما شاءت وأرادت ، والناس مجبولون على حبّ الرياسة واتّباع الأهواء ؟ !
مع أنّ الصواب أنّ الكتاب الكريم قد أفاد خلاف ذلك ، وصرّح بعدم كون انتخاب الخليفة راجعاً إلى الامّة ، بل نرى أنّ اللَّه تعالى قد عيّن ذلك فقال تعالى : « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُو وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَوةَ وَهُمْ رَ كِعُونَ » « 1 » والوليّ هو المدبّر للأمر ، الأولى بالتصرّف ، والمخاطبون بها هم المؤمنون ، فلا يكون قوله : « وَالَّذِينَ آمَنُوا » الآية مراداً بنحو العموم ، بل قد أريد منه بعض من الامّة . « 2 » وقد نقل الفريقان نزول الآية الشريفة في حقّ علي بن أبي طالب عليه السلام ، وليس الكلام فعلًا في تعيين مصداق ذاك العامّ ، بل المراد أنّ الآية تنفي مسألة إيكال الانتخاب إلى الامّة أنفسهم ، وإلّالزم كون انتخاب الرسول أيضاً موكولًا إليهم ، بل أخبرت بنحو الحصر كون الولاية على المؤمنين ثابتاً في حقّ المذكورين .
هذا مع أنّه كان الأمر بالانتخاب لما كان الاعتقاد بخلافة الخلفاء لازماً للموجودين في الأزمنة المتأخّرة عن زمانهم ، فلكلّ قوم انتخاب خليفة في عصرهم ولأنفسهم ، بل ولهم الردّ للمنتخب في ما قبلهم وتخطئتهم المنتخبين والمجتمعين ، لا وجوب الإذعان بذلك ، كما عليه أهل السنّة .
مع أنّ في المقام عن طرق أهل البيت روايات متظافرة « 3 » دالّة على كون الخلافة أمراً
هامش
( 1 ) . المائدة ( 5 ) : 55 . .
( 2 ) . تفسير القمّي ، ج 1 ، ص 170 ، ح 14 ؛ تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 327 و 328 ، ح 137 و 139 ؛ التبيان ، ج 3 ، ص 559 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 324 - 326 ؛ شواهد التنزيل ، ج 1 ، ص 209 - 239 ، ح 216 - 240 ؛ الكشّاف ، ج 1 ، ص 649 ؛ أنوار التنزيل ، ج 2 ، ص 133 ؛ مفاتيح الغيب ، ج 13 ، ص 383 ، ذيل الآية المذكورة . .
( 3 ) . الكافي ، ج 1 ، ص 277 - 279 ، باب أنّ الإمامة عهد من اللَّه عز وجل معهود من واحد إلى واحد عليهم السلام . .