[ إيكال أمر الخلافة إلى الامّة ]
إن قلت : ما المانع من القول بأنّ مسألة الخلافة بعد ارتحال النبيّ الأعظم كانت على نحو السنّة الجارية في عصرنا هذا وما يقاربه من الأعصار ، فوقعت على طريق انتخاب الخليفة باتّفاق آراء الامّة الإسلامية ، أو أكثرية تلك الآراء ، فالنبيّ صلى الله عليه وآله لم يوص بعده إلى أحد ، وأوكل الأمر في هذا الموضوع إلى الامّة أنفسهم ، فاجتمعوا على بيعة الخلفاء الراشدين على طبق ما وقع في الخارج ، وأذعن به أهل السنّة والجماعة ، فكانوا حينئذ كرؤساء الجماهير في الممالك الجمهورية ؟
أو نقول : إنّ النبيّ أوكل أمر انتخاب الخليفة إلى طائفة خاصّة من عظماء أصحابه والسابقين الأوّلين من المهاجرين والأنصار ، ليجتمعوا ويتشاوروا ويختاروا من بينهم الأحرى والأليق والأجدر والأنفع ، فكانت نتيجة اجتماعهم وانتخابهم أن بايعوا أبا بكر ، ثمّ الخلفاء من بعده ، ويشهد لصحّة هذا الأمر الآيات التي وردت في لزوم الشورى بين المسلمين ؛ قال تعالى : « وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . . . وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبّهِمْ وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنهُمْ يُنفِقُونَ » « 1 » ، والشورى هو الأمر الّذي يتشاور فيه ، فالمعنى أنّ أمورهم هي التي تقع مورداً للمشورة والتشاور ؛ ليستخرج ما هو الأحرى بالعمل .
وقال تعالى : « فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِى الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكّلِينَ » « 2 » ، وقال تعالى : « وَالْوَ لِدَ تُ يُرْضِعْنَ أَوْلدَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُو رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَاتُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَلِدَةُم بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُو بِوَلَدِهِى وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَ لِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا » « 3 » .
وفي نهج البلاغة ، في كتابه عليه السلام إلى معاوية : « أنّه بايعني القوم الذين بايعوا أبا بكر وعمر وعثمان على ما بايعوهم عليه ، فلم يكن للشاهد أن يختار ، ولا للغائب أن يردّ ،
و
هامش
( 1 ) . الشورى ( 42 ) : 36 - 38 . .
( 2 ) . آل عمران ( 3 ) : 159 . .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 233 . .