تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 193

مساهمون:

ص١٩٣
بين آيات مدنيّة ، باحثة عن أحوال اليهود والنصارى ، فسابقتها آيات تحكي حال الطائفتين وأنّهم لو آمنوا باللَّه ورسوله غفر اللَّه لهم ، وكفّر عنهم ذنوبهم ، وأدخلهم الجنّة ، وأنّهم لو عملوا بما في كتبهم لكانوا في بُلَهْنِية العيش « 1 » ورفاه الحال في دنياهم ، وإن لم يؤمنوا بمحمد صلى الله عليه وآله ، ولاحقتها تحكي عن أنّهم لو لم يقيموا كتبهم ولم يؤمنوا بما انزل إليهم لما كانوا على أمر نافع وحياة سعيدة ، فالآيات السابقة واللاحقة كلّها مدنيّة ، وهذه الآية مكّيّة ، أو نازلة في الطريق بقرب جحفة في غديرخمّ ، فيظهر من السياق أنّها نازلة لأمر خاصّ فيه كمال الأهمّية بحيث لو لم يبلّغه النبيّ صلى الله عليه وآله فكأنّما لم يبلّغ شيئاً ممّا أرسله اللَّه إليه ، بل وفيه شدّة وخوف بحيث كان النبيّ الأعظم يخاف من إظهاره وإبلاغه ، حيث وعد اللَّه تعالى أنّه يعصمه من الناس .

[ مسألة الولاية ليست حكماً فرعيّاً ]

ولا إشكال في أنّ هذا الأمر ليس حكماً فرعيّاً من فروع الأحكام ؛ فإنّ إبلاغ ذلك لم يكن مورداً للخوف مع أنّه صلى الله عليه وآله قد بلّغ أكثرها ، ولم يبق إلّاشيء يسير ، كما يظهر من باقي آيات السورة ، ولم يكن خوفه من أهل التوراة والإنجيل ، كما يظهر من بعض مفسّرى أهل السنّة ؛ « 2 » فإنّهم كانوا عندئذ مغلوبين للمسلمين ، محكومين بحكم الإسلام ، ولم يبق لهم تلك القدرة والعظمة حتّى يخاف منهم النبيّ في تبليغ ما أنزله اللَّه تعالى ، بل هذا ظنّ سوء بالنبيّ صلى الله عليه وآله وخلاف الإنصاف ، مع أنّه لو كان الخوف منهم لقال : « واللَّه يعصمك منهم ، أو من أهل الكتاب » دون قوله : « مِنَ النّاسِ » ، فظاهر الكلام أنّ الخوف ووعد العصمة كان من المسلمين أنفسهم . وعلى هذا فماذا تظنّ أن يكون الحكم الذي أنزله اللَّه إلى نبيّه صلى الله عليه وآله في المقام ؟ أكان حكماً فرعيّاً وجوبيّاً ، أو تحريمياً ؟ لا يمكن المصير إلى شيء من ذلك ، بل الحقّ الحقيق بالإذعان والقبول هو كونه مسألة الخلافة والولاية للُامّة الإسلاميّة ؛ فإنّ لها
هامش
( 1 ) . البُلَهْنِية بضمّ الباء وفتح اللام وسكون الهاء وكسر النون : سعة العيش ، يقال : هو في بُلهنية في العيش ، أي فيسعة ورفاغية ، وهو ملحق بالخماسي بألف في آخره ، وإنّما صارت ياء للكسرة ما قبلها ، قال ابن بري : بلهنية حقّها أن تذكر في حرف الهاء ؛ لأنّها مشتقّة من البَلَه . لسان العرب ، ج 13 ، ص 58 ( بلهن ) . . ( 2 ) . بل صرّح به الفخر في مفاتيح الغيب ، ج 12 ، ص 401 ذيل الآية 67 من سورة المائدة ( 5 ) . .