تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير مبسوط — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
الأعظم لتحقيق الحال عن نبوّته وكتابه عليه السلام لم يقبلوا المباهلة ، بل أذعنوا بقلوبهم وأقرّوا في ما بينهم بنبوّته ، وتركوا المباهلة ، وصالحوا على البقاء على دينهم على أن يدفعوا جُعلًا « 1 » معيّناً في كلّ سنة للحكومة الإسلامية ، « 2 » وبالجملة كانت الدعوة إلى المباهلة وعدم قبولهم دليلًا على عدم ربوبيّة عيسى وشاهداً على صحّة نبوّة نبيّنا وحقّية دعوته ، وقد ظهر الأمر عندئذ وشاع ، وكان ذلك ظفراً معنويّاً للإسلام على النصرانيّة .

[ المباهلة بعد اليأس عن إثبات المدّعى ]

ثمّ إنّ الظاهر أنّ المباهلة لا تكون إلّابعد يأس طرفي الخصام عن إثبات المدّعى وقبول الآخر ، وقد حكى اللَّه تعالى من حال عيسى وتولّده وإقراره بالعبودية ما هو كالدليل التامّ لإثبات المرام ، ويظهر من عدم نقل الجواب عنهم وتعقيب ذلك بالأمر بالمباهلة أنّهم أصرّوا على ما اعتقدوا به حتّى انجرّ الأمر إلى قطع النزاع بالمباهلة والملاعنة .

[ تشريع المباهلة في كلّ مخاصمة ]

ثمّ إنّه يظهر من الآية الشريفة تشريع المباهلة في كلّ مخاصمة لم تنجع « 3 » البراهين الناهضة من قبل المتخاصمين في فصل الخصومة ، فحصل اليأس من تأثيرها ، إلّاأنّ الظاهر اختصاص موردها بالأصول الاعتقادية . ويظهر من الروايات الواردة في ذيل الآية الشريفة أنّ لها تأثيراً سريعاً في ظهور الحق وهلاك المبطل من الطرفين ودماره ،
هامش
( 1 ) . الجعل بالضمّ اسم ، وبالفتح مصدر ، وهو الأجرة على الشيء فعلًا أو قولًا ، والمراد به هاهنا مقداراً معيّناً من‌المال يعطونه للحكومة الإسلاميّة في قبال بقائهم في المملكة الإسلاميّة على دينهم ، وهو الجزية . راجع : النهاية ، ج 1 ، ص 276 ( جعل ) . . ( 2 ) . راجع : تفسير العيّاشي ، ج 1 ، ص 175 و 176 ، ح 54 ؛ دعائم الإسلام ، ج 1 ، ص 17 و 18 ؛ مجمع البيان ، ج 3 ، ص 763 ، ذيل الآية الشريفة ؛ تاريخ اليعقوبي ، ج 2 ، ص 82 ؛ البداية والنهاية ، ج 5 ، ص 52 - 60 : عمدة القاري ، ج 18 ، ص 27 . . ( 3 ) . « لم تنجع » ، أي لم تؤثّر ، يقال : نجع فيه القول والخطاب والوعظ ، أي عمل فيه ، ودخل ، وأثّر . لسان العرب ، ج 8 ، ص 348 ( نجع ) . .
تفسير مبسوط — صفحة 189 | الشيخ علي المشكيني / جواد فاضل البخشايشى