هو حكم من كان على عكس ذلك بأن لم يتحقّق منه الإيمان ، وصدرت منه الأعمال الصالحة ، كما يتّفق كثيراً في أهل الملل الفاسدة والأديان الباطلة ؟
قلت : أمّا من حيث عدم إيمانهم ، فإن كان ذلك لعدم تمكّنهم من تحصيل الإيمان وقصورهم عنه فلا إشكال في عدم عقوبتهم عليه كما عرفت ، « 1 » وأمّا استحقاقهم الأجر لما صلح من أعمالهم فهو أيضاً غير بعيد ، لإطلاق ما تقدّم من العمومات ، كقوله تعالى :
« وَأَنَّ سَعْيَهُو سَوْفَ يُرَى ثُمَّ يُجْزَلهُ الْجَزَآءَ الْأَوْفَى » « 2 » ،
وقوله : « لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ » ، « 3 »
وقوله : « وَمَنْ عَمِلَ صلِحًا فَلِأَنفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ » « 4 » ،
وقوله : « مَّنْ عَمِلَ صلِحًا فَلِنَفْسِهِى وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا » « 5 » ، وأمّا كون الأجر « 6 » ، وهو دخولهم الجنّة ، فهو بعيد ، وقد مضى « 7 » شطر من الكلام في ذلك .
وإن كان عدم الإيمان لأجل تقصيرهم في تحصيله ، أو إنكارهم الحقّ بعد تمام الحجّة عليهم عناداً أو عصبية ، فإن فرض كون العمل الصالح الصادر منهم هو الصالح شرعاً - كعبادتهم على وفق عقائدهم وخضوعهم للأصنام والأوثان وتقريب القرابين لها وللكواكب ، أو خضوعهم للملائكة وعيسى ، مع اعتقاد مقام لهم لم يمضه اللَّه ، أو إنفاقاتهم في طريق التقرّب إلى غير اللَّه ، أو إلى اللَّه تعالى بنحو لم يرض به اللَّه ، ونحو ذلك - فهذا ليس في الحقيقة عملًا صالحاً ، بل هو من جملة معاصيهم الكبيرة والفحشاء الصادرة منهم .
وإن فرض كونه الصالح عقلًا وممّا يستقلّ العقل بحسنه وصلاحه ، كإنقاذهم الغرقى وإطفائهم الحرقى والإحسان إلى الفقراء والضعفاء ، مع كونهم ممّن يحبّ اللَّه الإحسان إليهم خاصّة ، إذا وقعت تلك الأمور ، فمن يعتقد باللَّه تعالى خالصاً لوجهه ،
و
هامش
( 1 ) . في الصفحة 169 - 175 ذيل البحث الأوّل . .
( 2 ) . النجم ( 53 ) : 40 و 41 . .
( 3 ) . البقرة ( 2 ) : 286 . .
( 4 ) . الروم ( 30 ) : 44 . .
( 5 ) . فصّلت ( 41 ) : 46 ؛ الجاثية ( 45 ) : 15 . .
( 6 ) . أي وأما تحقّق الأجر . .
( 7 ) . قد مضى في الصفحة 169 - 175 ذيل البحث الأوّل . .