وقوله تعالى : « إِنَّا لَانُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا » « 1 » .
وأمّا استحقاقه لسيّئاته فلأدلّة تلك المعاصي ، مع أنّه يمكن أن يقال : إنّه إذا عاقبه اللَّه تعالى بإزاء معاصيه فلابدّ من انتهاء مدّتها بعد برهة من الزمان وإن طالت ؛ إذ العقوبة المضروبة على المخالفة العملية محدودة محصورة ، ولازم ذلك عدم خلوده في النار وخروجه منها ، ولازم استحقاقه الأجر على الإيمان دخوله الجنّة ؛ فإنّ الظاهر أنّه لا يقدَّم في الآخرة ثواب الحسنات على جزاء السيّئات .
ان قلت : كيف تدّعي عدم خلود أهل الكبائر في النار ، مع أنّ هنا آيات تدلّ على الخلود في ما إذا كثرت الخطايا والذنوب ، وأحاطت بالإنسان خطيئته ، وهذا هو تارك الصالحات ، بل في بعض الآيات ما يدلّ على الخلود بالنسبة إلى بعض المعاصي أيضاً فضلًا عن كثرتها وانغمار الشخص فيها ؛ قال تعالى : « بَلَى مَن كَسَبَ سَيّئَةً وَأَحطَتْ بِهِىخَطِيَتُهُو فَأُوْلئكَ أَصْحبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلِدُونَ » « 2 » .
وقال تعالى : « وَالَّذِينَ كَسَبُواالسَّيَاتِ جَزَآءُ سَيّئَةِم بِمِثْلِهَا وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَّا لَهُم مّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَآ أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مّنَ الَّيْلِ مُظْلِمًا أُوْللئكَ أَصْحبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلِدُونَ » « 3 » ، قوله : « جَزاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِها » ، أي تجازى كلّ سيّئة بما يناسبها من العذاب ، ويلائم حالها في الشدة والضعف يوم القيامة ، والرهق : القرب واللحوق ، « 4 » و « أُغْشِيَتْ » ، أي كأنّها سترت بالليل المظلم ، فصارت أسود .
وقال تعالى في الربا : « فَمَن جَآءَهُو مَوْعِظَةٌ مّن رَّبّهِى فَانتَهَى فَلَهُو مَاسَلَفَ وَأَمْرُهُو إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلل - كَ أَصْحبُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خلِدُونَ » « 5 » .
وقال تعالى في قتل المؤمن : « وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمّدًا فَجَزَآؤُهُو جَهَنَّمُ خلِدًا فِيهَا » « 6 » ؟
قلت : أمّا الآيتان الأوّلتان فالظاهر أنّ المراد بهما صورة غلبة السيّئات بحيث أزالت الإيمان عن القلب ، وحصل فيه الشكّ أو الإنكار ، كما قال تعالى : « ثُمَّ كَانَ عقِبَةَ الَّذِينَ
هامش
( 1 ) . الكهف ( 18 ) : 30 .
( 2 ) . البقرة ( 2 ) : 81 .
( 3 ) . يونس ( 10 ) : 27 .
( 4 ) . راجع : لسان العرب ، ج 10 ، ص 129 ( رهق ) .
( 5 ) . البقرة ( 2 ) : 275 .
( 6 ) . النساء ( 4 ) : 93 .